اختيار الأمين العام للأمم المتحدة: تفاصيل العملية والتحديات

30 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
غوتيريس في جنوب أفريقيا، 23 نوفمبر 2025 (ماركو لونغاري/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بدأت عملية اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة خلفاً لأنطونيو غوتيريس، مع دعوات لتقديم مرشحات نساء والتركيز على التنوع الإقليمي. تشمل الأسماء المتداولة ميشيل باشليه ورافاييل غروسي وريبيكا غرينسبان.
- تتضمن عملية الاختيار مراحل متعددة، بدءاً من تقديم الدول لمرشحيها، ثم حوارات مع الدول الأعضاء، وتقديم مجلس الأمن توصيته. رغم الإصلاحات لتعزيز الشفافية، تظل الدول الخمس دائمة العضوية مؤثرة باستخدام الفيتو.
- تواجه الأمم المتحدة تحديات كبيرة مثل قضايا المناخ والاقتصاد والحروب، وتحتاج إلى قيادة قوية. لكن المصالح الضيقة للدول الكبرى قد تعيق اختيار المرشح الأنسب.

بدأت، الثلاثاء الماضي، رسمياً عملية اختيار أمين عام الأمم المتحدة الجديد، خلفاً للحالي البرتغالي أنطونيو غوتيريس

. وسيكون الأمين الجديد العاشر للمنظمة وسيبدأ ممارسة مهامه في الأول من يناير/ كانون الثاني 2027، على أن تكتمل عملية الاختيار بحلول نهاية يوليو/ تموز المقبل. ولم يسبق أن شغلت هذا المنصب امرأة من قبل. وهناك عدد من الأسماء المتداولة حالياً، بشكل غير رسمي، من بينها ميشيل باشليه، رئيسة تشيلي السابقة، والأرجنتيني رافاييل غروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، والتي تشغل حالياً منصب رئيسة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد). وأطلقت عملية الترشح الرسمية لمنصب الأمين العام الجديد في خطاب مشترك وجّهته رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنالينا بيربوك، ورئيس مجلس الأمن لشهر نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، مايكل عمران كانو، للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

أهمية التنوّع الإقليمي

وقد دعا غوتيريس، في رسالة موجهة لمجلس الأمن والدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، 193 دولة، لتقديم أسماء المرشحين. وعبّر في بداية رسالته عن أسفه لعدم تولي امرأة حتى الآن هذا المنصب. وأضاف "إيماناً منا بضرورة ضمان تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في الوصول إلى مناصب صنع القرار العليا، فإننا نشجع الدول الأعضاء على النظر بجدية في ترشيح النساء، ونشير إلى أهمية التنوّع الإقليمي في اختيار الأمين العام". وحمل خطاب رئيسة الجمعية العامة ورئيس مجلس الأمن رسالة مشابهة. ويرى مراقبون أن توجيه الخطاب وإطلاق العملية في وقت مبكر يعطيان الدول الأعضاء الوقت الكافي لاختيار المرشح/ة. كذلك يرون دعوة الأمين العام للدول الأعضاء إلى النظر بقوة في ترشيح امرأة وإعطاء أولوية للتنوع الإقليمي كتحسينات أدخلت على عملية الاختيار. هناك تناوب مناطقي على هذا المنصب، وتأتي أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي على رأس القائمة، إذ كان البيروفي خافيير بيريز دي كوييار آخر من شغل المنصب من تلك المنطقة بين عامي 1982 و1991. لكن التناوب المناطقي تقليد وليس قاعدة تشعر الدول بأنها مجبرة على اتباعها، ويرى البعض أنها قد تقيد العملية بحيث لا يُختار الأفضل لقيادة المنظمة الدولية.


غوتيريس: نشجع الدول الأعضاء على النظر بجدية في ترشيح النساء

تاريخياً، كانت المداولات بين أعضاء مجلس الأمن تجري والأسماء تطرح بطريقة سرية أو على الأقل غير رسمية ولا علنية. وغالباً ما كان المرشحون يثنون عن الظهور العلني أو الحديث عن الموضوع. وكانت الجمعية العامة عادةً ما توافق تلقائياً على المرشح الوحيد للمجلس. لكن طرأت بعض الإصلاحات، منذ عام 2015، إذ تُتداول الأسماء رسمياً ويطلب من المرشحين تقديم السيرة الذاتية، وبيانات لرؤيتهم حول قيادة المؤسسة الدولية كما تقديم إفصاح مالي وغيرها. ورسمياً هناك عدد من المراحل التي تمر بها عملية الاختيار، وتتضمن التالي: إطلاق العملية الذي يبدأ برسالة مشتركة من رئاسة الجمعية العامة ومجلس الأمن

(وهو ما تم هذا الأسبوع). وتحث الرسالة الدول على تقديم مرشحيها، ويحق لكل دولة تقديم مرشح واحد أو أن تقدم مجموعة من الدول مرشحاً. ثم تدخل المرحلة الثانية والتي تشمل ما تسميه الأمم المتحدة "تعريف المتقدمين"، إذ توجّه رئيسة الجمعية العامة رسالة تخطر الدول الأعضاء بأسماء المرشحين ووثائقهم الداعمة. وتشمل تلك الوثائق نبذةً عن المرشحين وسياساتهم ورؤيتهم للمنصب.

ثم تبدأ بعدها مرحلة "تقديم الرؤية" حيث ينخرط المرشحون في حوارات مع الدول الأعضاء حول رؤيتهم وإجابة على أسئلة. كذلك يمكن للجمهور ومنظمات المجتمع المدني التعليق والتفاعل مع تلك الرؤى عن طريق وسائل الإعلام والمنصات المختلفة. ثم تدخل المرحلة التالية والتي يقدم فيها مجلس الأمن توصيته بمرشح واحد للجمعية، بعد مشاورات داخلية وتصويت غير رسمي إلى الوصول إلى مرحلة التوافق. ويتطلب ذلك التوافق أو الإجماع تأييد أغلب الدول الأعضاء في مجلس الأمن، خمس دائمة العضوية وعشر غير دائمة. ولكن إن لم توافق أي من الدول الخمس دائمة العضوية على الترشيح، فنظرياً يمكنها طلب التصويت الرسمي عن طريق قرار ومن ثم استخدام الفيتو. وإن تمكنت الدول الـ15 من التوافق فيما بينها والاتفاق على اسم، فإن مجلس الأمن يرفع التوصية للجمعية العامة التي تقوم بتعيينه رسمياً بالتوافق كذلك.

أما التغيير الذي طرأ منذ عام 2015، فيشمل عملية تسترشد "بمبادئ الشفافية والشمول والانفتاح"، خصوصاً بعد اعتماد الجمعية العامة لقرار حددت فيه عملية الاختيار وشددت على تلك المبادئ. وعلى الرغم من التغييرات التي طرأت، بما فيها وصف عملية الاختيار بكونها "أكثر شفافية"، وتداول أسماء المرشحين وطلب تقديم برنامج أو رؤية، إلا أنها ما زالت تحت سيطرة الدول الخمس دائمة العضوية. التغيير الذي طرأ على الإعلان الرسمي عن الأسماء المرشحة وغيره، لا يترجم في نهاية المطاف إلى تغيير في طريقة الاختيار الفعلية المرهونة بمجلس الأمن. جوهر عملية الاختيار لم يتغير جذرياً، ويعتمد على توصية مجلس الأمن لاسم بعينه وتوافق الدول الأعضاء في المجلس حول ذلك الاسم، شرط ألا تلجأ أي من الدول الخمس دائمة العضوية إلى الفيتو. لكن هذه الدول الخمس يمكنها أن تعرقل ترشيح أي شخص تتوافق عليه أغلب الدول الأعضاء في مجلس الأمن إن لم ترغب في ترشيحه. وعدم العمل بمبدأ "التوافق" والأخذ بعين الاعتبار مثلاً أن أغلب الدول في مجلس الأمن أيدت مرشحاً ما وتستخدم الفيتو ضد ذلك.


حتى عند اختيار غوتيريس أول مرة كانت هناك العديد من الانتقادات لمجلس الأمن

وحتى عند اختيار غوتيريس أول مرة كانت هناك العديد من الانتقادات لمجلس الأمن، من ضمنها أن عمليات التصويت الداخلية وغير الرسمية التي جرت لم يقدم فيها المجلس أي تقرير مفصل، وإن كان غير رسمي، للجمعية العامة ورئيسها. ووجّه رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة آنذاك، الدنماركي مونيس ليكيتوفت، انتقاداً لمجلس الأمن لعدم إعلانه نتائج "التصويت السري" الأول، لاختيار الأمين العام للأمم المتحدة عام 2015، الذي جرى في مقر مجلس الأمن في نيويورك. وذكر ليكيتوفت آنذاك في رسالة صدرت عن مكتبه في حينه: "إنني أدرك أن التصويت الأول الذي جرى يحمل طابعاً غير رسمي، كما أدرك أن أعضاء مجلس الأمن اتفقوا على عدم الإعلان عن نتائجه أو نتائج أي تصويت مستقبلي غير رسمي، ولكن، وبرأيي، أن يحتوي الإبلاغ (حتى لرئيس الجمعية العامة) على إبلاغ بحدوث تصويت فقط من دون الإشارة لأي نتائج أو حتى تفاصيل، فإن ذلك لا يضيف أي قيمة لتوقعات الجمعية العامة من مجلس الأمن بأن يتسم هذه الاختيار بالشفافية والانفتاح". وكان السياسي الدنماركي قد قاد حملة داخل الأمم المتحدة والجمعية العامة تهدف إلى إصلاح طريقة اختيار الأمين العام ونجح بتحقيق بعض الإنجازات آنفة الذكر.

إصلاح مؤسسة الأمم المتحدة

يواجه العالم تحديات كثيرة مناخية واقتصادية وحروباً وخفضاً شديداً للمساعدات الإنسانية، فضلاً عن ضرورة إصلاح المؤسسة الأممية نفسها، بما في ذلك عمل مجلس الأمن حيث أصبحت شرعيته ومعها النظام العالمي الذي تمثله الأمم المتحدة، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية

(1939 ـ 1945)، على المحك، لأسباب كثيرة، منها أن الكثير من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن خرقت ميثاق الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا، في احتلال العراق مثلاً، أو ما يحدث في فلسطين والحماية غير المشروطة لإسرائيل، أو اجتياح روسيا لأوكرانيا والقائمة طويلة، فضلاً عن التحديات الجوهرية للنظام متعدّد الأطراف. وتحتاج المنظمة الأممية إلى قيادة قوية وفعالة لتكون على قدر التحديات التي يواجهها العالم، لكن من غير الواضح إذا كان المصالح الضيقة لتلك الدول الخمس ستؤدي بها بنهاية المطاف إلى اختيار المرشح "الأنسب"، الذي لن يتحداها بما يكفي ويقدم رؤية وتغييراً جذرياً للنهوض بالمنظمة الأممية.