إيران في زمن الهدنة... بين "نشوة الانتصار" وتحديات مرحلة التفاوض

08 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 16:18 (توقيت القدس)
إيرانيون يلوحون بأعلام بلادهم بعد إعلان وقف إطلاق النار، 8 إبريل 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- وقف إطلاق النار في إيران: أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف إطلاق النار، مما أتاح للإيرانيين فرصة لالتقاط الأنفاس وسط تهديدات سابقة باستهداف محطات الكهرباء. المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وصف ذلك بـ"الانتصار العظيم"، لكن التساؤلات مستمرة حول تأثير الهدنة على المفاوضات المقبلة في باكستان.

- رواية الانتصار: الحرب كانت "معركة وجودية" لإيران، حيث أظهرت شجاعة وكفاءة رغم الخسائر. الخبراء يرون أن الحرب أحدثت تغييراً كبيراً في الواقع الداخلي، وفرضت إيران واقعاً جديداً في مضيق هرمز.

- التحديات الإقليمية: المفاوضات في باكستان تواجه تحديات، خاصة مع استثناء لبنان من الهدنة. إيران تمتلك أوراق ضغط، مثل سيطرتها على مضيق هرمز، مما يعزز قدرتها على تثبيت وقف إطلاق النار.

لدى الأوساط الإيرانية تساؤلات وشيء من القلق حول الهدنة ووقف الحرب

لا تزال تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار غير واضحة بالكامل

بينما كان الإيرانيون يحبسون أنفاسهم ترقباً لاحتمال استهداف محطات الكهرباء في البلاد، وما كان سيترتب على ذلك من تداعيات تمس مختلف جوانب حياتهم اليومية، تنفس كثيرون الصعداء مع إعلان وقف إطلاق النار ودخوله حيز التنفيذ في الموعد الذي كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد حدده لبدء قصف تلك المنشآت. وفي أجواء الارتياح هذه، سرعان ما سادت في إيران رواية "الانتصار"، إذ وصف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في بيان، حول وقف إطلاق النار ما حدث بأنه "انتصار عظيم".

ومع ذلك، لا يزال لدى الأوساط الإيرانية تساؤلات وشيء من القلق حول ما إذا كانت هذه الهدنة ستقود فعلاً إلى اتفاق في المفاوضات المرتقبة في باكستان يعكس حالة "الصمود والمقاومة" التي أبدتها البلاد خلال أربعين يوماً من الحرب، أم أن الولايات المتحدة قد تستغل فترة الهدنة التي تمتد لأسبوعين لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز قدراتها العسكرية في المنطقة قبل استئناف القتال. وفي ظل هذه الأجواء، لا تزال تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار غير واضحة بالكامل، باستثناء توقف العمليات القتالية لمدة أسبوعين وإعلان بدء مفاوضات في باكستان. كما لم يتضح بعد ما إذا كان الاتفاق يتضمن فعلاً ترتيبات تتعلق برسوم المرور في مضيق هرمز خلال هذه الفترة، وهو أمر ينظر إليه كثير من الإيرانيين باعتباره ورقة استراتيجية يمكن أن يبنى عليه في أي اتفاق مقبل يسهم في تعويض جزء من خسائر الحرب وتوظيفها أيضاً في مواجهة العقوبات.

ولهذا تتجه الأنظار في إيران إلى المفاوضات التي يُفترض أن تبدأ بعد غد في باكستان، غير أن ما منح الإيرانيين قدراً ملحوظاً من الثقة هو إعلان ترامب فجر اليوم الأربعاء أن المفاوضات ستُجرى على أساس مقترح من عشرة بنود قدمته إيران إلى واشنطن. وفي المقابل، بدأ ملف شمول لبنان بوقف إطلاق النار يتحول إلى نقطة إشكالية، فبينما أعلنت كل من إيران وباكستان أن التفاهم يشمل لبنان أيضاً، قالت إسرائيل إن لبنان مستثنى من الهدنة، وهو ما قد يشكل تحدياً إضافياً أمام تثبيت وقف إطلاق النار.

رواية الانتصار

لا تقتصر رواية الانتصار على الخطاب الرسمي الإيراني التي كانت تنظر إلى الحرب باعتبارها "معركة وجودية" وفقدت فيها كبار قادتها في مقدمته المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، بل تمتد أيضاً إلى منتقديها حيث رأوا إلى جانب الكثير من معارضيها عند لحظة خاصة خلال الأسبوعين الأخيرين أن الحرب لا تستهدف نظام الحكم فحسب، بل إيران في وجودها ومقوماتها بعدما دخلت مرحلة استهداف البنى التحتية. وفي هذا السياق، يقول الخبير الإيراني أحمد زيدآبادي، المعروف بانتقاداته للسياسات الإيرانية، إن ما حدث يُعد "انتصاراً سياسياً لافتاً لإيران"، مشيراً إلى أنه "لن يُسجل فقط في التاريخ، بل يفتح أيضاً أفقاً من الأمل والثقة بالنفس للأيام المقبلة".

وأضاف زيدآبادي، في حديثه مع "العربي الجديد"، أن البلاد تكبدت أضراراً وخسائر كبيرة وتعرضت لجراح عديدة خلال الحرب، إلا أن هذه الخسائر يمكن تعويضها في ظل شعور عام بالانتصار، "ما دام مسار الحكمة والتدبير لم يضِع" بحسب قوله. وأوضح أن الإيرانيين "لن يعودوا كما كانوا في الأمس"، مؤكداً أن الحرب ونتائجها "أحدثت تغييراً كبيراً" في الواقع الداخلي. وأشار إلى أنه مهما كانت الانتقادات أو الأحكام السلبية تجاه بعض المسؤولين العسكريين والسياسيين في إيران، أو ما قد يكون عاناه البعض منهم، فإنه "لا يمكن إنكار أنهم ظهروا خلال هذه الحرب الصعبة بشجاعة وكفاءة".

وبيّن أنهم تمكنوا، رغم القصف المستمر بالصواريخ والقنابل والتهديدات الدائمة بالاغتيال، "من الحفاظ على تماسكهم وتوجيه ضربات للقوات المهاجمة"، فضلاً عن تأمين احتياجات المواطنين الأساسية، بما في ذلك توفير البنزين بكميات كبيرة وبأسعار منخفضة. كما رأى زيدآبادي أن من أهم ما حدث أن "صنّاع القرار لم ينجروا وراء ضغوط بعض المؤيدين المتحمسين أو المتشددين، ولم يغلقوا باب الدبلوماسية لإنهاء الحرب"، معتبراً أن هذا النهج ساهم في نهاية المطاف في إبعاد هذا الخطر عن البلاد.

من جانبه، يصف الخبير الإيراني المحافظ ميرجواد ميرغلوي بيات إنهاء الحرب بعد "مواجهة بطولية" بأنه "بحد ذاته يعد انتصاراً كبيراً لإيران". وقال، في حديث مع "العربي الجديد" إن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تنجحا في تحقيق أي من أهدافهما الأساسية، في حين تمكنت طهران، بحسب قوله، من تحقيق "مكاسب مهمة"، من بينها فرض واقع جديد يتعلق بالسيطرة على حركة العبور في مضيق هرمز و"تدمير" قواعد أميركية في المنطقة، ما يعني أن إيران حققت إلى حد كبير ما كانت تسعى إليه حتى الآن بحسب قوله. وأوضح بيات أن "رواية النصر لا يمكن أن تُبنى على الكذب أو الهزيمة"، مؤكداً أن أي رواية، مهما كانت ذات طابع دعائي، لن تكون قابلة للتصديق إذا لم تستند إلى وقائع ملموسة. وأضاف أن الخطاب الإعلامي وحده لا يصنع توازن القوى، بل إن القوة الحقيقية للدولة والأمة، سواء العسكرية أو المادية أو الفكرية، هي التي تُنشئ موازين القوة الجديدة على الأرض. 

لماذا قبلت إيران بالهدنة المرفوضة سابقاً؟

وفيما كانت إيران ترفض بشدة أي وقف مؤقت لإطلاق النار، لكنها وافقت عليه في نهاية المطاف ما أثار تساؤلات حول أسباب ذلك، يوضح ميرغلوي بيات أن هذا الموقف لم يكن رفضاً لمبدأ إنهاء القتال، باعتبار أن وقف تبادل النار هو النهاية الطبيعية لأي حرب، لكنه يشير إلى أن طهران "كانت ترى أن قبول الهدنة يجب أن يأتي في لحظة يدرك فيها الطرف المهاجم استحالة تحقيق أهدافه، وبعد أن تؤدي القوة العسكرية الإيرانية إلى فرض توازن فعلي في القوى ومعاقبة المعتدي وقبول شروط إيران".

وأضاف أن الوصول إلى مثل هذه اللحظة، في ظل طبيعة الحرب غير التقليدية التي لا يمكن أن تستمر لفترة طويلة، جعل توقف العمليات العسكرية خطوة أولى وطبيعية في مسار أي حرب كبيرة. ولفت الخبير الإيراني إلى أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التفاوض على أساس المقترح الإيراني ذي النقاط العشر، وهو ما عرض المجلس الأعلى للأمن القومي خطوطه العامة، "يُعد مؤشراً على تحقيق مكاسب سياسية لطهران حتى لو تم الالتزام بجزء من هذه البنود".

وبيّن ميرغلوي بيات أن تقييم نتائج وقف إطلاق النار سيعتمد في المرحلة المقبلة على مجموعة من المؤشرات، من بينها إدارة إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز، واستعدادها لمنع إعادة تمركز القوة العسكرية الأميركية في المنطقة كما كان في السابق، إضافة إلى موقفها تجاه الدول المجاورة وطبيعة التزاماتها تجاه حلفائها في محور المقاومة.

بدوره، يرى الخبير الإيراني مصطفى نجفي أن وقف إطلاق النار المؤقت لا يعني نهاية الحرب، لكنه سيُسجل في تاريخ إيران باعتباره "مرحلة أظهرت قدرة البلاد على الصمود في ظروف بالغة الصعوبة". وأوضح في حديث مع "العربي الجديد" أن إيران، رغم خضوعها لأشد العقوبات الاقتصادية والحصار على مدى عقود، تمكنت من الصمود لما يقارب أربعين يوماً في مواجهة قوة عظمى تمتلك أكبر ترسانة تسليحية في العالم، التقليدية وغير التقليدية، إضافة إلى إسرائيل بوصفها قوة نووية في المنطقة، مشيراً إلى أن طهران استطاعت في الوقت نفسه "توجيه ضربات مؤثرة". وأضاف نجفي أن إيران كانت قبل قرنين من الزمن في كثير من الحروب تتعرض للاحتلال أو التقسيم، إلا أن ما تحقق اليوم بحسب تعبيره يعكس مساراً مختلفاً يقوم على إعادة بناء الاستقلال الوطني، وإحياء الثقة بالذات على المستوى الوطني، وتعزيز مكونات الثقافة الاستراتيجية الإيرانية بشكل عميق. 

ماذا عن لبنان؟

يُعد سلوك إسرائيل أحد أبرز التحديات التي قد تواجه وقف إطلاق النار خلال الأسبوعين المقبلين، بعدما أعلنت أن لبنان غير مشمول بالهدنة، في حين أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والجانب الإيراني أن وقف إطلاق النار يشمل عموم المنطقة بما فيها لبنان. وفي هذا السياق، يرى الخبير الإيراني هادي برهاني، أستاذ الدراسات الإسرائيلية في جامعة طهران، أن الموقف الإسرائيلي القائل إن لبنان غير مشمول بوقف إطلاق النار هو "مناورة سياسية" تهدف إلى الحفاظ على صورة إسرائيل وإظهارها بمظهر الطرف الذي ما زال يمتلك اليد العليا في الميدان.

وأوضح برهاني أن هذا الموقف "لن يستمر لفترة طويلة"، مرجحاً أن تتراجع إسرائيل في نهاية المطاف وتوقف هجماتها على لبنان أيضاً. وأشار إلى أن هذا الملف يحظى "بأهمية كبيرة بالنسبة لإيران"، مؤكداً أن طهران لا يمكنها القبول باستمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان خلال فترة الهدنة، خصوصاً في ظل ما وصفه بـ"التضحيات التي قدمها حزب الله".

وأضاف أن إيران ترى نفسها "ملتزمة بالدفاع عن مصالح حزب الله ولبنان"، محذراً من أن إصرار إسرائيل على مواصلة هجماتها قد يعرّض وقف إطلاق النار بأكمله للخطر. كما لفت إلى أن امتلاك إيران أوراق ضغط، من بينها سيطرتها على حركة الملاحة في مضيق هرمز، يمنحها قدرة على ممارسة الضغط على الأطراف المختلفة، ولا سيما الولايات المتحدة والقوى الدولية، من أجل تثبيت وقف إطلاق النار. ويرجح برهاني أن تتراجع إسرائيل في نهاية المطاف تحت ضغط الولايات المتحدة والقوى الدولية، لكنه يؤكد أنه في حال لم يحدث ذلك فإن إيران، على حد تعبيره، لن تتراجع عن موقفها أيضاً.