إثيوبيا ومساعي الحصول على ممر بحري: تنسيق مع إسرائيل وأرض الصومال

28 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 19:57 (توقيت القدس)
مرفأ بربرة في أرض الصومال، 31 أغسطس 2021 (إد رام/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد لاستعادة منفذ بحري لإثيوبيا، مشددًا على أهمية بناء توافق وطني لمعالجة فقدان المنفذ البحري الذي يؤثر على الاقتصاد الإثيوبي بسبب التكاليف اللوجستية العالية.

- تتبنى إثيوبيا سياسة إبقاء جميع الخيارات مفتوحة للوصول إلى البحر، بما في ذلك التعاون مع دول الجوار مثل أرض الصومال والصومال وإريتريا والسودان وكينيا، وتقديم شراكات اقتصادية لتحقيق مكاسب متبادلة.

- يثير التنسيق الإثيوبي-الإسرائيلي في أرض الصومال مخاوف بشأن وحدة الصومال واستقراره، مما قد يؤدي إلى تصاعد التوترات الإقليمية وتعقيد المشهد السياسي الداخلي في القرن الأفريقي.

تصدّر ملف الوصول إلى البحر الأحمر أجندة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد وخطاباته، وهو يقدمه بوصفه حقاً طبيعياً ومشروعاً لبلاده، معتبراً أن إثيوبيا فقدت منفذها البحري نتيجة الانقسامات الداخلية والصراعات السياسية التي أضعفت الدولة، وأتاحت لقوى خارجية التدخل بما حال دون تحقيق تطلعاتها الاستراتيجية.

وأكد أبي أحمد، في خطاب ألقاه منتصف يوليو/تموز الحالي في انطلاق مؤتمر الحوار الوطني للقوميات الإثيوبية في أديس أبابا، أن تحول إثيوبيا إلى دولة حبيسة لم يكن نتيجة عجز في إمكاناتها أو قدراتها، بل جاء بسبب ممارسات سياسية غير توافقية، والانقسامات الداخلية، وحالة الضعف التي شهدتها البلاد. وأضاف أن حرمان إثيوبيا من منفذها البحري كان حصيلة إخفاقات داخلية أكثر منه نتيجة عوامل خارجية، مشدداً على أن معالجة هذه القضية تستلزم تجاوز أسباب الانقسام وبناء توافق وطني يضمن تحقيق المصالح الاستراتيجية للدولة.

ونقلت وكالة "فانا عربي" الإثيوبية (الرسمية) أول من أمس الاثنين عن ممثل الحكومة بالبرلمان وزير الدولة تسفاي بلجيغي قوله إن إثيوبيا تنفق سنوياً ما بين 1.5 إلى ملياري دولار أميركي لتمويل خدمات الموانئ والخدمات اللوجستية. وتعد إثيوبيا الدولة الوحيدة في أفريقيا، التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، محرومة من منفذ بحري مباشر، ما يجعلها تعاني من تكاليف لوجستية باهظة، وبطء في الحركة التجارية، وتبعية خارجية.
وفي هذا السياق، قال الكاتب الصحافي الإثيوبي زاهد زيدان الهرري، في حديث مع "العربي الجديد"، إن الإدارة الإثيوبية الحالية تستند في مطالبتها بالحصول على منفذ بحري إلى سردية تاريخية وسياسية ترى أن إثيوبيا تمتلك حقاً طبيعياً في الوصول إلى البحر. ووفقاً للخطاب الرسمي، فإن هذا الطرح يحظى بتأييد شريحة واسعة من الرأي العام الإثيوبي، كما يتبناه أبي أحمد وحزبه الحاكم (الازدهار)، إلى جانب عدد من أحزاب المعارضة، انطلاقاً من قناعة بأن البلاد حُرمت من منفذها البحري لأسباب سياسية وليست قانونية أو تاريخية.

وعبر أبي أحمد عن هذه الرؤية في أكثر من مناسبة، ولا سيما في كلمته أمام البرلمان الإثيوبي بحضور ممثلي البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، عندما قال إن بلاده فقدت منفذها البحري من دون موافقة البرلمان أو الحكومة أو أي مؤسسة دستورية، في إشارة إلى أن هذا التحول لم يكن نتاج قرار وطني، بل نتيجة ترتيبات وتوازنات سياسية فرضتها الظروف الإقليمية والدولية.

ووفق الهرري فإن الحكومة الإثيوبية تطرح رواية مفادها أن حرمان البلاد من الوصول إلى البحر جاء نتيجة صراعات القوى الدولية وتجاذباتها خلال مراحل تاريخية مختلفة، معتبراً أن إثيوبيا دفعت ثمن الاصطفافات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة، خصوصاً خلال فترة الحرب الباردة.

كما يوظف الخطاب الرسمي هذا الطرح لتعزيز فكرة أن استعادة منفذ بحري تمثل ضرورة استراتيجية لضمان الأمن القومي والتنمية الاقتصادية. وفي المقابل، ذهب بعض المحللين داخل إثيوبيا إلى ربط هذه السردية بعوامل إقليمية، معتبرين أن السياسات التي انتهجتها بعض الدول المجاورة والإقليمية، وعلى رأسها مصر وفق هذا الطرح، أسهمت في تكريس عزلة إثيوبيا عن محيطها البحري. وأشار الهرري إلى أن أديس أبابا لا تزال تحتفظ بمذكرة التفاهم الموقعة مع حكومة أرض الصومال عام 2024، بوصفها أحد الخيارات المطروحة، بالتوازي مع المسار الذي انطلق عقب اتفاق أنقرة (ديسمبر/كانون الأول 2024)، والذي جمع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وأبي أحمد بوساطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

إثيوبيا تبقي جميع الخيارات مفتوحة

ومن خلال قراءة الخطاب الرسمي الإثيوبي، يتضح أن أديس أبابا تتبنى سياسة تقوم على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة للوصول إلى منفذ بحري. وقد أكد ذلك أبي أحمد ووزير الخارجية غيديون تيموثيوس، اللذان شددا على أن إثيوبيا تسعى إلى تحقيق هذا الهدف وفق مبدأ "المنفعة المتبادلة"، أي من خلال شراكات اقتصادية تحقق مكاسب لجميع الأطراف.

وأضاف الهرري أن الحكومة الإثيوبية قدمت تصوراً يقوم على تقديم مجموعة من الأصول الاقتصادية مع الدول الإقليمية في شكل من أشكال الشراكة، من بينها عوائد مشروع سد النهضة في مجال إنتاج الطاقة، إضافة إلى حصص أو منافع مرتبطة بمشاريع اقتصادية وطنية أخرى، مثل شركة السكك الحديدية الإثيوبية، وذلك في إطار اتفاقات طويلة الأمد مع الدول التي قد توفر منفذاً بحرياً. ومن ثم، فإن الخيارات الإثيوبية لا تقتصر على أرض الصومال، بل تمتد أيضاً إلى الحكومة الفيدرالية في الصومال، وإريتريا، والسودان، وكينيا عبر ميناء لامو. وهذا يعكس أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في الحصول على منفذ بحري يحظى بإجماع واسع داخل الساحة السياسية الإثيوبية، سواء لدى الأحزاب الحاكمة أو قوى المعارضة، بينما يتركز الخلاف بينها في الوسائل والآليات المناسبة لتحقيق هذا الهدف، وليس في الهدف ذاته.

ووفق متابعين، فإن إثيوبيا تنسق مع الحكومة الإسرائيلية لإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في مدينة بربرة الاستراتيجية في أرض الصومال، وبالتالي إعادة تفعيل مذكرة التفاهم بين حكومة أرض الصومال والحكومة الإثيوبية، ما يرفع مستوى التعاون الأمني بين الحكومات الإثيوبية والإسرائيلية وأرض الصومال، ما يترك تداعيات أمنية ودبلوماسية في المنطقة.

تبعات تنسيق إثيوبيا وإسرائيل ستنعكس على وحدة الصومال

وفي هذا السياق، قال الباحث السوداني محمد تورشين، في حديث مع "العربي الجديد"، إن تبعات التنسيق الإسرائيلي ــ الإثيوبي في أرض الصومال لا شك في أنها قد تنعكس، بشكل أو بآخر، على قضية وحدة الصومال وأمنه واستقراره. ورجح أن يؤدي هذا الواقع إلى تشجيع مواقف بعض التيارات والكيانات ذات النزعات الانفصالية في أقاليم أخرى وتعزيزها، مثل بونتلاند وجوبالاند، ما قد يهدد وحدة الأراضي الصومالية وتماسكها. وفضلاً عن ذلك، قد يسهم هذا التنسيق في نقل الصراعات الإقليمية إلى الداخل الصومالي عبر تصاعد مظاهر الحرب بالوكالة، ولا سيما في المناطق التي تشهد توترات بين السلطات الإقليمية والحكومة الفيدرالية في مقديشو. ويزداد هذا الاحتمال في ظل ما تحظى به الحكومة الفيدرالية من دعم من شركاء إقليميين، من بينهم تركيا ومصر وقطر.

وأضاف: في هذا السياق، فإن أي تصعيد في التنافس الإقليمي داخل منطقة القرن الأفريقي، بما في ذلك ما يرتبط بالتنسيق بين إسرائيل وإثيوبيا، قد يدفع نحو مزيد من الاستقطاب بين القوى الإقليمية والدولية، ويزيد من احتمالات تحول الصومال إلى ساحة للتنافس والصراعات بالوكالة، وهو ما ستكون له تداعيات مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها.


محمد تورشين: تبعات التنسيق الإسرائيلي ــ الإثيوبي في أرض الصومال ستنعكس على وحدة الصومال


ووفق تورشين، فإن الخطوة الإثيوبية لإعادة تفعيل مذكرة التفاهم للوصول إلى البحر الأحمر ستترك انعكاسات سلبية على أمن الصومال ووحدته، إذ قد يشجع هذا الأمر أقاليم أخرى ذات نزعات انفصالية على رفع سقف مطالبها، أو المطالبة بمزيد من الاستقلالية، وهو ما من شأنه أن يزيد من تعقيد المشهد السياسي الداخلي. كما أن هذا التطور قد يدفع الصومال إلى أن يصبح ساحة لحرب بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية المتنافسة، خاصة بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي الذي يتمتع به، فالصومال يشكل ركيزة أساسية في أمن خليج عدن، كما أن استقراره يرتبط بشكل وثيق بأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر والمحيط الهندي، الأمر الذي يجعل أي تصعيد داخله ذات تداعيات تتجاوز حدوده لتطاول الأمن الإقليمي والدولي.

إثيوبيا وإسرائيل لديهما مصالح متباينة في الصومال

وقال الصحافي الصومالي عبد الرزاق عبد الله، في حديث مع "العربي الجديد"، إن إثيوبيا وإسرائيل لديهما مصالح استراتيجية متباينة في الصومال، ولا سيما في إقليم أرض الصومال، فبينما تسعى إثيوبيا إلى تأمين منفذ بحري وتوسيع فرصها الاقتصادية، تركز إسرائيل على الأهمية الجيوسياسية والأمنية للإقليم، خاصة موقعه المطل على خليج عدن والبحر الأحمر.


عبد الرزاق عبدالله: ترى إسرائيل في إقليم أرض الصومال منصة أمنية في القرن الأفريقي


وأضاف: ترى إسرائيل في إقليم أرض الصومال منصة أمنية في القرن الأفريقي، وعلى مقربة من باب المندب، ما يمكنها من توجيه ضربات عسكرية ضد خصومها، لا سيما الحوثيين في اليمن، ولهذا ينبغي أخذ الحيطة والحذر حول تنامي هذا التنسيق الثلاثي بين تلك التكتلات في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى تصاعد التوترات السياسية والأمنية، بما ينعكس سلباً على وحدة الصومال واستقرار منطقة القرن الأفريقي. ويعتبر أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب من الحكومة الصومالية والدول الإقليمية، بما فيها مصر والسعودية، تبنّي سياسة موحدة ونهج دبلوماسي متماسك، بما يحفظ أمن الدول المشاطئة على البحر الأحمر واستقرارها، ويحدّ من تداعيات التنافس الإقليمي والدولي على المنطقة.