أزمة جنوب اليمن... زوبعة الانفصال والحرب والتبريد بين أبوظبي والرياض
استمع إلى الملخص
- التوترات بين السعودية والإمارات تصاعدت بعد تدخل السعودية عسكريًا، مما أدى إلى تراجع المجلس الانتقالي عن إعلان الانفصال الفوري. السعودية اتهمت الإمارات بدعم "الانتقالي"، مما كشف عن انقسام حاد بين البلدين.
- الأزمة اليمنية مفتوحة على ثلاثة احتمالات: تجميد مؤقت للانفصال، تجميد طويل الأمد، أو استمرار القتال. هناك مخاوف سعودية من وجود الزبيدي على رأس "دولة الجنوب"، مما يهدد مصالحها الاستراتيجية.
كانت خطوة إعلان انفصال جنوب اليمن متوقعة قبل إعلان التقدم إليها أخيراً، لكن تحرك السعودية بقوة ضدها أوقفها مؤقتاً، من دون أن يضع حداً نهائياً لها. وجاء خطاب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، مساء أمس الجمعة، ليرسم خريطة طريق أجل من خلالها إعلان الانفصال الفوري، وذهب نحو مرحلة انتقالية لمدة عامَين، مشروطة بقبول الأطراف الأخرى لها. وقال الزبيدي إن الإعلان الدستوري يُعتبر "نافذاً فوراً في حال تعرّض شعب الجنوب أو أرضه أو قواته لأي اعتداء".
وعلى ذلك، تبدو وظيفة المرحلة الانتقالية تنظيم فك الشراكة الوحدوية على أسس محددة تبحث الحدود والعلاقات الثنائية ووضع الجيش والأمن والمواطنة، كي لا تحصل هزة تؤدي إلى فوضى عارمة، وبذلك يجري الوصول إلى دولة جنوب اليمن في نهاية المطاف، بعد عامين أو قبل ذلك، حسب التطورات الميدانية التي يمكن أن تسرع منها.
وحسب مصادر يمنية مطلعة، تعدّل إعلان الزبيدي شكلاً ومضموناً بعد تدخل السعودية عسكرياً. فقد جرى التراجع عن إعلان انفصال جنوب اليمن كلياً، ولجأ إلى المرحلة الانتقالية، بعد أن تبين أن الانفصال الفوري لن يحظى بأي اعتراف عربي ودولي، وبذلك يتمكّن "الانتقالي"، بهذه الطريقة، أن يناور سياسياً وعسكرياً، ويكسب بعض الوقت والمواقع. كان تمدد قوات "الانتقالي" إلى محافظتَي حضرموت والمهرة، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بمثابة تحصيل حاصل لمسيرته السياسية والعسكرية منذ تشكيله في العام 2017، إذ وضع في طليعة أهدافه استعادة السيطرة على كامل أرض دولة جنوب اليمن التي حلّت نفسها بالوحدة الاندماجية في 22 مايو/أيار 1990.
مصادر جنوبية مطلعة: عملية إخلاء بعض المواقع العسكرية عبارة عن إعادة انتشار لامتصاص الغضب السعودي
وأظهرت تداعيات الأزمة أخيراً أنه ليس من السهولة عودة المجلس إلى الوراء، وسحب قواته التي بسطت سيطرتها على المحافظتَين ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة للجنوب، خصوصاً لجهة الثروات النفطية والزراعية والسمكية والموقع الجغرافي على بحر العرب من جهة، وحدود كل من السعودية وعُمان من جهة ثانية. وحسب مصادر جنوبية مطلعة، كانت عملية إخلاء بعض المواقع العسكرية أمس الجمعة عبارة عن إعادة انتشار لامتصاص الغضب السعودي، وتعبيراً عن رغبة أبوظبي في عدم إظهار المجلس أنه يتحدّى المملكة وتحذيراتها، ولكن الخطوات الميدانية سارت في اتجاه معاكس، ما أدى إلى انفجار الموقف العسكري بين قوات "الانتقالي" وقوات الحكومة الشرعية، التي تدخلت السعودية لدعمها بالقصف الجوي.
اتهام أبوظبي بدفع "الانتقالي" للتصعيد
بدا وكأن تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي، الشهر الماضي، لبسط نفوذه على المحافظتَين كأنها، في البداية، لا تلقى معارضة شديدة من الأطراف المحلية والإقليمية. ولم تصدر ردّات فعل قوية على مستوى الحدث من الحكومة الشرعية، أو السعودية التي ترعاها سياسياً ومادياً، ولا من الإمارات الداعم الأساسي للمجلس. وقد جرت محاولات لثنيه، إلا أنها لم تكن ذات طبيعة حادة، وفاضت الكأس حين كشف المجلس، في تصريحات قيادات فيه عن نيته إعلان دولة جنوب اليمن ما دفع الرياض إلى أن تتخذ موقفاً صريحاً، يتهم أبوظبي بدفعه إلى التصعيد، ودعمه عسكرياً، وبادرت صباح 30 ديسمبر الماضي لتسديد ضربات إلى آليات عسكرية وأسلحة جرى نقلها من ميناء الفجيرة الإماراتي إلى ميناء المكلا في حضرموت، وأمهلت المجلس 24 ساعة حتى يسحب قواته من المحافظتين. وفي الاتجاه نفسه، تحرك رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ليطالب الإمارات بوقف شحنات الأسلحة وأي دعم عسكري أو مالي للمجلس الانتقالي الجنوبي وأي طرف آخر داخل اليمن، وخروج القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة.
وقد ركزت البيانات السعودية الرسمية، وتلك الصادرة عن الشرعية اليمنية، على نقطتين؛ الأولى إدانة تقديم شحنات من الأسلحة الإماراتية إلى "الانتقالي"، من دون طلب موافقة، أو تنسيق مسبق مع التحالف العربي والسلطة الشرعية. وجاء في بيان مجلس الوزراء السعودي، أخيراً، أن موقف الإمارات "لا ينسجم مع جميع الوعود التي تلقتها المملكة من دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة". واعتبرت وزارة الخارجية السعودية، في بيان، أن "الخطوات التي قامت بها دولة الإمارات تُعد بالغة الخطورة، ولا تنسجم مع الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية في اليمن". والثانية، مطالبة "الانتقالي" بسحب قواته خارج محافظتَي حضرموت والمهرة، وأكدت الرياض أنها "لن تتردّد في اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة لمواجهة أي مساس أو تهديد لأمنها الوطني".
انقسام بين السعودية والإمارات بشأن جنوب اليمن
وكشفت لغة البيانات والتصريحات وردّات الفعل المتسارعة انقساماً حادّاً في الموقفَين السعودي والإماراتي من الوضع في اليمن عامّة والجنوب خاصة، والاستنتاج السريع أن التحالف والتفاهمات التي سادت بين الطرفين منذ عاصفة الحزم في مارس/آذار 2015 قد استنفد مفعوله، وانتهى إلى افتراق، وباتت الرياض وأبوظبي أمام نزاع يهدّد علاقاتهما. وفي الأثناء، تلخصت مواقف دول الخليج في التأكيد أهمية الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، وصون مصالح الشعب اليمني، بما يحقق تطلعاته في الأمن والاستقرار والتنمية، ودعم الحكومة اليمنية الشرعية.
وقد ساهمت كل من قطر والكويت وسلطنة عُمان في التهدئة بين السعودية والإمارات، ما أدى لانسحاب قوات "الانتقالي" من مواقع عسكرية، حلّت فيها قوات درع الوطن الموالية للشرعية، بالإضافة الى عناصر قبلية موالية للسعودية يقودها رئيس حلف قبائل حضرموت عمرو بن حبريش. لكن إعادة انتشار قوات "الانتقالي" لم تغلق باب الأزمة، التي باتت مباشرة بين السعودية وبين رئيسه عيدروس الزبيدي، بعد أن أعلنت الإمارات سحب قواتها وأجهزة أمنها من الجنوب. وقد حمّلت بيانات وتصريحات سعودية الزبيدي مسؤولية الأزمة التي نجمت عن سيطرة قواته على المحافظتَين، ووصفتها بـ"الأحادية"، واتهمته بالتراجع عن التزامه بوصفه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي اليمني، و"كان أخطر تلك القرارات قيادته للهجوم العسكري على محافظتَي حضرموت والمهرة". وقالت إنّ ذلك "صاحبه اختلالات أمنية في المحافظتَين وترويع للآمنين، وسقوط قتلى وجرحى بين المدنيين من أبناء حضرموت".
خشية سعودية علنية من وجود الزبيدي على رأس دولة الجنوب
واتصف موقف الرياض من الزبيدي بالحدة، ما يعود إلى تحالفه الوثيق مع أبوظبي التي مولت المجلس الانتقالي الجنوبي وسلّحته، ودعمت بقوة مشروعه لانفصال جنوب اليمن في دولة مستقلة عن الشمال. وحسب مصادر جنوبية، قامت الإمارات بحملة علاقات عامة في الولايات المتحدة من أجل الترويج لوصوله إلى رئاسة الدولة التي يعمل عليها، بينما يتلخّص الموقف الأميركي في أن تنظيمي "القاعدة" و"داعش" والحوثيين التهديد الأكبر في المنطقة، وهؤلاء على عداء مع "الانتقالي" الذي نجح في طرد الحوثيين من الجنوب، وضرب "القاعدة" في مدينة المكلا في العام 2015. وترى الولايات المتحدة أن مشروع المصالحة بين جنوب اليمن وشماله لم ينجح، ومن مصلحة السعودية والإمارات وقف النزاع بينهما بشأن اليمن، والتركيز على خطر إيران والحوثيين، وقد سرت مخاوف من أن يستغلّ الحوثيون الأزمة من أجل إعادة تمدّدهم نحو الجنوب.
وقد أدركت الرياض هذا، ولكن حساباتها لم تكن بسرعة التحضيرات الإماراتية، وهناك خشية سعودية باتت علنية من وجود الزبيدي على رأس "دولة الجنوب"، وأنه سيهدّد مصالح السعودية في محافظتَي حضرموت والمهرة، بما تشكلانه من أهمية استراتيجية، خصوصاً لجهة حصول السعودية على ممر بري لنقل ثروات الربع الخالي إلى موانئ بحر العرب القريبة جغرافياً. ولذلك من الوارد جداً أن يتطور موقف المملكة من الزبيدي، وقد تضع خروجه من المعادلة شرطاً أساسياً لتسوية الخلاف مع الإمارات، وهي تحاول الفصل بينه وبين القضية الجنوبية. ولكن محاولة إزاحة الزبيدي من المشهد لا تبدو ممكنة عملياً، بسبب إمساكه بمفاتيح الوضع في الجنوب. وحسب مصدر جنوبي قريب منه، فإنّ هذا الرجل هو الوحيد الذي تمكّن من لملمة الوضع الجنوبي، وحوّل الحراك السلمي الجنوبي إلى مشروع عسكري بدعم من الامارات.
ويتضح من ردّات الفعل أن الأزمة باتت مفتوحة على ثلاثة احتمالات. الأول، تجميد مؤقت للانفصال، يجري على أساسه استمرار المجلس الانتقالي الجنوبي بسحب قواته من بعض النقاط، بما يمنع الاحتكاك مع قوات الشرعية وقوات قبائل حضرموت الموالية للسعودية، حتى تمرّ العاصفة السياسية، وتبرد كلياً بين الرياض وأبو ظبي، ومن ثم سيعاود العمل بأسلوب مختلف، من خلال توظيف تأييد شعبي يتمتع به، ومن جهة ثانية الضغط من أجل ترحيل ما بقي من وجود للشرعية في محافظة عدن، ووضع اليد كلياً على المطار، الذي يعد محطة تنازع حالياً بين "الانتقالي" والسعودية التي تحاول فرض رقابة عليه، من خلال تفتيش الرحلات القادمة والمغادرة. والثاني، التجميد إلى أمد طويل الأمد، تعمل خلاله الأطراف على ترتيب أوراقها على نحو مختلف، بانتظار مواجهة أخرى. والثالث، استمرار القتال الحالي، وتمدّده إلى مناطق أخرى، وهناك جو داخل المجلس الانتقالي الجنوبي يدعو إلى ذلك.