أزمة المؤسسة في ليبيا

13 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 00:24 (توقيت القدس)
حريق بمصفاة الزاوية بعد هجوم، 11 أغسطس 2026 (محمود تركية/فرانس برس)

حتى الثلاثاء ليلاً، سجلت مدينة الزاوية، غرب العاصمة الليبية طرابلس، سادس استهداف بطائرة مسيّرة منذ السبت الماضي، طاول بعضها خزانات داخل المجمع النفطي، قبل أن تمتد الضربات إلى محطة مياه وأخرى للكهرباء. وبالتوازي، زُرعت عبوة ناسفة في سيارة آمر إدارة الاستخبارات العسكرية في بنغازي فوزي المنصوري فقتلته. صحيح أنه لا يمكن الربط بين هذه الحوادث واستباق التحقيقات في هوية الفاعلين، لكنها تفرض سؤالاً يتجاوزها: إذاً، لماذا كل هذه المؤسسات الأمنية والعسكرية المنتشرة في البلاد تحت مسميات عديدة؟

في طرابلس توجد وزارتا الدفاع والداخلية، إلى جانب أجهزة أمنية واستخباراتية متعددة، وفي بنغازي توجد مؤسسة عسكرية وأجهزة أمنية تابعة لها أيضاً، ومع ذلك، تستطيع جهات مجهولة تكرار استهداف منشآت حيوية في مدينة واحدة على مدى أيام، فيما تتمكن جهة أخرى من الوصول إلى سيارة مسؤول أمني رفيع وزرع عبوة ناسفة فيها.

المشكلة هنا تتخطى نقص مؤسسات القوة، وتظهر بشكل صارخ في ضعف قدرتها على العمل باعتبارها منظومة متكاملة، فالمعروف أن المؤسسة الأمنية وظيفتها منع وقوع الخطر، والمؤسسة الاستخباراتية تكشف الخطر قبل وقوعه، وصولا إلى القضاء الذي يحاسب ويعاقب، لكن هل يحدث هذا في ليبيا؟

في الواقع، تتكرر الهجمات وتنتهي بإطلاق الوعود بفتح التحقيقات وملاحقة الجناة، من دون نتائج معلنة، لماذا؟ هذا السؤال مطروح منذ سنوات، لكن الوقائع الأخيرة تضيف إليه أسئلة أخرى: من يملك القرار الأمني الفعلي في البلاد؟ وهل تعدد المؤسسات الأمنية والعسكرية انعكاس لتعدد مراكز القوة والنفوذ؟ وهل يشير الصمت الرسمي المستمر منذ أيام بشأن ما يجري في الزاوية إلى أن الأجهزة تعرف الجهة الفاعلة ولا تعلنها ولا تستطيع مكافحتها؟

ربما السؤال الأخير يقارب الواقع، وإلا فكيف يمكن أن تتكرر الحوادث نفسها في أيام معدودة وفي المدينة نفسها من دون اكتشاف الجهة الفاعلة؟ أما في بنغازي، فتبدو المسألة أكثر إحراجاً لمؤسسة عسكرية تقدّم نفسها باعتبارها صاحبة السيطرة على مساحات واسعة من البلاد، فالمسؤول اغتيل داخل المدينة التي تعد معقل هذه المؤسسة.

والسؤال هنا سينقلب الآن: هل تعاني الدولة نقصاً في المؤسسات أم فائضاً فيها من دون تنسيق وقيادة موحّدة وقدرة حقيقية على إنفاذ القرار؟ سيُقال إن هذه الفوضى إحدى نتائج الانقسام السياسي، لكن الانقسام نفسه يبدو نتاجاً لهذه الفوضى المؤسسية، لتتحدد المشكلة في غياب المعنى الحقيقي للمؤسسة، بعدما تحوّلت المؤسسات الأمنية والعسكرية لدى قادة المجموعات المسلحة إلى عناوين رسمية لوجودهم المسلح ووسيلة لإضفاء الشرعية عليه.

دلالات