يقودون من زنازينهم مبادرة توحيد المعارضة التونسية
نشرت وسائل إعلام إلكترونية وشبكات اجتماعية رقمية، نهاية الأسبوع الماضي، بياناً صادراً عن 11 سجيناً سياسياً، وهو بمثابة نداء سياسي. جلّ هؤلاء السجناء صدرت بحقّهم أحكام ثقيلة بالسجن وصلت إلى المؤبّد، وتعلّقت جلّها بقضايا التآمر على أمن البلاد. جمع هذا النداء طيفاً واسعاً من الأحزاب على غرار "النهضة" والتيّار الديمقراطي والحزب الجمهوري، فضلاً عن شخصيات مستقلّة، منهم إعلاميون ونشطاء مجتمع مدني. سبق صدور البيان بساعات أحكام ثقيلة بلغت 25 سنة في حقّ رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين، وعشر سنوات في حقّ المحامي (عضو الهيئة) خالد الكريشي.
عدّ المتابعون البيان مؤشّراً على توحيد المعارضة وتقارب الفرقاء، والجميع يعلم أنّ موقّعي البيان المذكور زعامات سياسية من الصف الأوّل، على غرار نجيب الشابي، وراشد الغنوشي، وغازي الشواشي، ورضا بلحاج، وعصام الشابي، وخيام التركي، وغيرهم. كما تشكّل السجينة السياسية شيماء عيسى حالة دالّة باعتبارها وجهاً نسائياً ظلّ يناهض المسار الذي عرفته البلاد منذ 25 يوليو (2021)، ويضمّ الموقّعين أيضاً مستقلّين ناضلوا ضدّ الاستبداد خلال فترة زين العابدين بن علي، ومنهم عيّاض بن عاشور، وعيّاشي الهمامي، وجوهر بن مبارك، والصحافي زياد الهاني، وكانوا أيضاً من أشدّ مناهضي انقلاب 25 يوليو.
يدور البيان في مجمله حول ثلاث مسائل وردت بشكل متسلسل ومترابط. أوّلها الاتفاق على أنّ ما حدث في حقيقة الأمر يُعدّ انقلاباً نسف مكتسبات الثورة التونسية تماماً، فقد "عادت البلاد إلى المربّع الأوّل للاستبداد والحكم الفردي المطلق". لذلك، المهمّة العاجلة والضرورية، كما حدّدها النداء، هي "استرجاع مكاسب الانتقال الديمقراطي"، باعتبارها مهمّة مشتركة جامعة للجميع، وهي المسألة الثانية في النداء. وانحصرت الثالثة في الآلية الكفيلة ببلوغ هذا الهدف، فالموقّعون على النداء لا يرون غير نبذ الخلافات والبدء في حوار بنّاء سبيلاً. أمّا الإشارة التي تقتضي التفطّن إلى قيمتها الاستثنائية فهي عبارة "صندوق الاقتراع" التي وردت في البيان، باعتبار هذا الصندوق الحلّ الوحيد للفصل فيما يختلف فيه التونسيون. ويبدو هذا تعويلاً متجدّداً على صناديق الاقتراع بعد أن دعا بعضهم سابقاً إلى مقاطعتها.
ومع هذا التثمين كلّه للبيان/ النداء، فهو لا يمثّل علامة صحّية. والحال أنّ المعارضة الموجودة خارج السجن كان يُفترض أن تبادر إلى تقريب وجهات النظر بين مختلف الفرقاء، وتتوصّل إلى حدّ أدنى من النضال السلمي، من أجل وضع حدّ لهذه الانتكاسة الديمقراطية التي تواصل مسار تراجعها بشكل حادّ.
لن يغيّر بيان المعارضين المسجونين في تونس في المدى القريب المعادلة، ذلك أنّه لم يجد قبولاً خارج الحاضنة التي صدر منها، أي أحزاب السجناء الموقّعين عليه
ينبئنا إخفاق المعارضة خارج السجن بثلاث ظواهر: أوّلها حالة الخوف التي شلّت المبادرة تقريباً، باستثناء بعض الأنشطة التي درجت عليها جبهة الخلاص الوطني، من خلال سلسلة الندوات الفكرية والسياسية التي ظلّت، رغم أهميتها، تراوح مكانها، غير قادرة تماماً على إطلاق مبادرة سياسية تكون في مستوى التحدّيات الخطيرة التي تمرّ بها البلاد. أمّا الظاهرة الثانية فهي استمرار حالة التباين حتّى بين أحزاب موقّعي هذا النداء، إذ لا يزال، مثلاً، حزب التيّار الديمقراطي، من خلال بعض رموزه، متردّداً وغير قادر تماماً على تبنّي المواقف نفسها التي عبّر عنها رئيس الحزب سابقاً، والقابع حالياً في السجن، الذي وقّع النداء، المحامي غازي الشواشي. وقد برهنت الخلافات الحادّة التي رافقت تنظيم بعض المسيرات، أخيراً، على حجم الهوّة بين صفوف المعارضة، حتّى تلك التي تناهض الرئيس قيس سعيّد. وأخيراً، يبرهن هذا النداء الصادر من السجن مرّة أخرى على حالة التفكّك التي تعانيها المعارضة السياسية التي ضعفت إلى حدّ كبير.
سيكون من المبكّر الحكم على أثر هذا النداء، ولكن لن نجانب الصواب إذا قلنا إنّه لن يغيّر المعادلة في المدى القريب، ذلك أنّه لم يجد قبولاً خارج الحاضنة التي صدر منها، أي أحزاب السجناء الموقّعين عليه، فقد بادرت جبهة الخلاص الوطني بالثناء على هذا النداء، ودعت طيفاً سياسياً واسعاً إلى الاستجابة له وتجسيد رغبته في توحيد المعارضة من أجل استعادة الديمقراطية والحرّية والكرامة.
ومع ذلك، فإنّ الضفة المقابلة من "المعارضة"، خصوصاً اليسارية منها التي تؤيّد الرئيس سعيّد، سارعت إلى التحذير من هذا النداء، والتأكيد مرّة أخرى أنّ "هؤلاء لن يعودوا"، في إشارة إلى الزعامات السياسية التي وقّعت على النداء. وبقطع النظر عن السياقات الحالية التي يندرج فيها النداء، فإنّه قد يكون حجراً يُلقى في مياه شبه راكدة، خصوصاً في ظلّ بعض التحرّكات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد، على غرار سلسلة إضرابات قادتها نقابات البنوك، وقد تتلوها إضرابات أخرى خلال الأشهر القليلة المقبلة، فضلاً عن مسيرات نظّمها العاطلون عن العمل.
قد يكون هذا النداء دعوة مبكّرة إلى تعبئة مواطنية في أفق الانتخابات المقبلة التي قد تشهدها البلاد خلال خريف 2029، والشارع السياسي، بموازين القوى الحالية، غير قادر على أن يفرض تصوّراته وخريطة طريقه؛ فلا تزال الهوّة سحيقة بين مختلف مكوّنات المشهد السياسي، فضلاً عن تواصل حالة الاستقطاب المدمّر.