يريده ويستطيع ويأخذه أيضاً
يوماً ما، سنكتشف أن سنوات ترامب هذه من أمتع ما مر علينا منذ قرون، فترتاه الرئاسيتان، والثانية منهما أكثر، تشبهان شهر كأس العالم لمحبّي كرة القدم، وأسبوع الأوسكار لمحبّي الأفلام، وإعلان القوائم الطويلة للجوائز الأدبية لمحبّي الروايات.
تسلية طوال الوقت، حماس، إثارة، تقافز بين الأحداث، ضحك ينسلّ متلوياً من بين الألم، رشّة من الخفة على كل شيء، أهداف تقلب النتيجة في الوقت المستقطع، إطلاق صفاتٍ لا تصح لغوياً، مثل أن يقول عن قارّة إنها غبية، وعن دولة إنها مضجرة، وعن مضيق إنه محفظة مضاربة، وعن قصف جوي لمجمع سكني: لقد قمنا لعمل طيّب هذا الصباح.
ترامب يشبه تلك الجدّة الموشومة التي بقي في فمها سنّان أو ثلاث، ويمكن أن تكون موجودة في أي حي أو قرية، تلك التي تطلق تعليقاتٍ بذيئة على الجميع، تشتم هذا وذاك، تفضح الأسرار القديمة للقرية، تخبر كل شابٍّ عن غراميات أبيه وكل فتاة عمّا فعلته أمها ليلة عرسها، تسمّي الأشياء بأسمائها، تذكر عضواً أو فعلاً جنسياً في كل جملة، يخالف الفتيان تحذيرات أهلهم ويتجمّعون حولها، وتتجنبها الفتيات الصغيرات، ولكن الجميع يحبّها سراً، ويضحك لما تقول وتفعل.
ترامب يتصرّف ببشرية غير مقنّعة، ينظر إلى ابنته ويتحسّر: أوه إنها جميلة جدا، لو لم تكن ابنتي لواعدتها. انظروا إلى ذلك الرجل هناك، لديه في جيبه بئر نفط، أريدُها لنفسي، أستطيع انتزاعها منه، وسأفعل. أريدُها وأستطيع، فلأحصل عليها إذاً.
يستيقظ صباحاً وقد اشتهى جائزة نوبل على الفطور، لا يريدها بالفيزياء أو الكيمياء، فهي ليست من المجالات التي يهتم بها، وهي توزّع عادة على ثلاثة أشخاص معاً، وهو يستحق جائزة لوحده، نوبل الادب لا تنفع، لأنه قال سابقاً إنه يكره القراءة، ويراها سخافةً ومضيعة للوقت. نوبل السلام هي الأقرب إليه، والأسهل عليه، فيتفاخر بأنه أنهى ثماني حروب في شهريْن، ويكون قد أشعل حرباً في صباح اليوم نفسه.
يشتم لجنة نوبل، ولا يهتم أنها من البرلمان النرويجي، أو لا يعرف ذلك أساساً. ويكتم غيظه بسبب منحها لماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة الفنزويلية، وبعد شهرين، وحين يرسل قوة كوماندوس خاصة لتعتقل رئيس فنزويلا مادورو، يقول إن ماتشادو سخيفة وغير مؤهلة لتولي دور سياسي في فنزويلا الجديدة. سيما وأنني "حققت الهدف ووضعت يدي على نفط فنزويلا".
يتصرف مع عناصر العالم كما يتعامل البشر مع عناصر الطبيعة، فيسمّي معظم النباتات أعشاباً ضارّة، رغم أنّها لم تضر أحداً. وهي تفعل ما تفعله منذ ملايين السنين، تلد بذوراً تلقيها في التراب أو الهواء، لتنبت مجدّداً، ثم يأتي كائن جديد مثل الإنسان أو ترامب ليقول: هذه عشبة شريرة، لقد تسبّبت لي بتلبك معوي حين أكلتها. ويكون الحل في هذه الحال إبادة سلالتها تماماً، بدلاً من الحل البسيط الآخر: التوقّف عن أكلها.
يريد غرينلاند، ثم ينساها، يذهب إلى حدود كوريا الشمالية ليقابل كيم جونغ أون، ويمسك بيده طويلاً كعاشقين في ضوء القمر، ثم لا يعود لذكرِه وذكر بلدِه. يتغزّل بنتنياهو، ثم يشتمه، ثم يتشارك معه حرباً، ثم وفي وسط الحرب، يقول إنه غير مؤهل، وأنه سيكلّف أحمد الشرع بغزو لبنان بدلاً منه، يقول عن نصف رؤساء العالم إنهم أصدقاؤه الشخصيون، ويوزّع عليهم صفات الوسامة والقوة والشجاعة، ثم ينقلب عليهم ويضعهم أمام مكتبه كتلاميذ مدرسة، أو كمتقدّمين لوظيفة درجة ثالثة.
بشيء من الجديّة، أرجّح أن ترامب هو طريقة أميركا لتصحيح نفسها، هو أسلوب النخب السياسية لتقول للأميركان: انظروا ماذا يحصل عندما تخرج السياسة لتتمدّد على الطاولة عارية واضحة، أرأيتم أن غرفنا المغلقة المعتمة أفضل بكثير؟ سنفعل الأشياء نفسها بالتأكيد، لكننا لن نقول هذا علناً كما يفعل هذا المعتوه، سنرسل القوات الخاصة لتقوم بالعمليات العسكرية، وسنأخذ ثروات الآخرين، لكنّنا سنتحدّث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ومستقبل العالم.