نزع السلاح... المقاومة أولاً فمَن التالي؟

23 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 02:52 (توقيت القدس)
+ الخط -

بعدما استنفدت جل تعلّاتها للاستمرار في التدمير حتى آخر حجر قائم في قطاع غزّة، الذي تظهره صور فضائية نشرت أخيراً، وقد تغيّرت معالمه بشكل كامل، ما عدا شاطئ غزّة الذي بقي دالّاً عليه، وضعت إسرائيل على طاولة المفاوضات ورقة نزع سلاح حركة حماس وخروجها من القطاع ليحكمه أيّ كيان أو هيئة جديدة، مع حديث إغراء عن بدء عملية إعادة "إعمار" الخراب، بمجرد حدوث ذلك. ويتزامن شرط نزع السلاح الأثير إلى قلب نتنياهو الحاقد، مع شرط مماثل (وبالقدر نفسه) من الإصرار والتهديد بالويل والثبور، موجّه إلى حزب الله في لبنان، ينقله المبعوث الأميركي توماس برّاك، تارّة بنبرة صارمة، وأخرى بعبارات أميل إلى المهادنة.

في حالة غزّة، كما في الحالة اللبنانية، تشهر حكومة نتنياهو ورقة نزع السلاح في وجه خصومها، مرحلةً متقدّمةً لما تعتبره هزيمةً لهم، تنهيها بسلبهم آخر وسائل دفاعهم عن النفس قبل الطرد النهائي، أو هكذا هي أمانيها في أجندة خلع مخالب وأنياب الجوار، وإن كانت متداعيةً للسقوط ذاتياً ولا تؤذي كما في الحالة السورية، إذ عمدت إسرائيل وهي في خضمّ حربها الوحشية على غزّة إلى توجيه ضربات متتالية إلى ما بقي من قوة لدى الجيش السوري في أواخر أيامه عبر ما سمّي بـ"سهم باشان"، الذي دمّر ما يزيد على 80% من القدرات البرّية والجويّة والبحرية السورية، بحسب مزاعم إسرائيلية، توطئة لوضع جديد يسمح لجيش الاحتلال باختراق الحدود والدخول والخروج متى شاء، لأهداف لم تعد خافية. يبدو هذا الهوس الإسرائيلي الدائم منذ إنشاء دولة الاحتلال في تناقض صارخ مع هُويَّة الدولة المُعسكَرة نفسها، رغم مساحيق الديمقراطية والحريات وتلطيف المسمّيات كوصف جيشها بالغ التوحّش بـ"جيش الدفاع" والتزام الغموض بشأن حجم تسليحها ونوعيته وطبيعة برنامجها النووي، والمراحل التي بلغها أو تجاوزها... هذه الدولة التي يسلّحها الغرب جماعياً، وفي مقدّمته القوة العظمى أميركا، ولا يتردّد (الغرب) في إعلان ذلك، بل يتبجّح، تقرّباً وتهديداً لجوار "عدواني". يفيض السلاح عن حاجة إسرائيل، وتصوغ بلا كلل شتى العبارات للتعبير عن خشيتها من الخطر الذي يشكّله سلاح حركة مقاومة، محاصرة في قطاع صغير محاصر، على أمنها ووجودها، وتطالب الدول المنخرطة في المفاوضات بتبنّي رؤيتها والدفاع عنها، فضلاً عن قدرتها التي لا تُجادَل في جعل حكومات الغرب تتحدّث بمفرداتها نفسها في موضوع سلاح المقاومة.

عندما تبثّ كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، تسجيلات لعملياتها، التي تصف إسرائيل بعضها بـ"الحوادث الأمنية الصعبة"، ضدّ جنودها الذين يجوسون بين معالم الدمار بحثاً عن دليل يقودُهم إلى ما بقي من المقاومة، أو فرقها الهندسية التي بدأت التخطيط في الأرض لغزّة "بعد حماس"، ويرى المتابع، سواء كان خبيراً عسكرياً أو شخصاً عادياً، بساطة الوسائل المستخدمة للإطاحة عناصر الجيش، ولا يتمالك نفسه ليسأل: عن أي سلاح مقاومة يتحدّثون؟ وما الذي تعرفه إسرائيل عن إمكانات "حماس" القتالية، ولا يعرفه الآخرون؟ أم هي حجّة وعنوان كبير بلا مضمون يُذكَر، تتخذه حكومة التطرّف درعاً (وذريعةً) للقضاء على آخر نفَس مقاوم في الأرض السليبة؟ تلك التسجيلات نفسها، بما تشعله من إثارة وحماسة وإعجاب وتضامن ورغبة في مشاهدة المزيد، أصبحت مثار جدل من جهة ما تحييه في النفوس من أمل، وما تلقاه من دعم و مآزرة من جهة، في مقابل ما يُعتقَد أنها تقدمّه لإسرائيل من ذرائع للاستمرار في ملاحقة أيّ أثر أو رائحة للمقاومة، في دأبها المعهود على التهويل والمبالغة واختلاق الأسباب لتبرير أفعالها، وهي في الحقيقة لم تعد تأبه بالذرائع، مدفوعةً بمنطق القوة المطلقة. تطرح هذه الإشكالية نفسها في النقاشات اليومية بشيء من الصراحة والوضوح، فيما يتجنّب المعنيون بها الخوض فيها علناً، ويذهب فريق آخر إلى حدّ القول إنه طلب من "حماس" أكثر من مرّة أن توقف عملياتها المتباعدة زمنياً (وهكذا أصبحت بالفعل)، أو أن تتوقّف عن بثّ تسجيلات لها تقدّم لإسرائيل هديةً مجّانيةً لتكرّر قولها إن "حماس" لا تزال تهيمن على القطاع وتمتلك القوة القتالية والعسكرية لإطاحة جنودها بمشاهد مهينة وموجعة. وهذا منطق مردود عليه، فإن توقّفتْ فعلاً، فستسمع تساؤلات استنكارية من قبيل: هل أصبحت "حماس" عاجزةً بعدما قدّمت القطاع على طبق من ذهب لإسرائيل فأنهته تماماً؟ وإن استمرّت فستوصف عملياتها بالعبثية أمام آلة عسكرية ضخمة لا حدود لقدراتها ولا لوحشيّتها، فيما العبثية الحقيقية هي في تواصل هذا النقاش بالذات: هل سلاح "حماس" هو المحدّد لتوقّف التجويع والتقتيل؟

ثنائية المقاومة/ السلاح ضدّ المحتل فكرة واحدة أقرب إلى الانصهار. إذا أُسقط منها السلاح، تندثر المقاومة فكرةً وفعلاً 

تؤّكد الأحداث التي تحوّلها إسرائيل كلّ مرّة إلى مراحل مفصلية في رؤيتها لوجودها في المنطقة، ومضيها في تحقيق أهدافها الكبرى، أنها تتّخذ من الكيانات المقاومة لها (وهو للتذكير أمر مكفول بالقانون الدولي وبالأخلاق وبالحدّ الأدنى من المنطق)، ومن تحركاتها، غطاءً لجرائمها التي يتزايد منسوبها وتتعاظم وحشيتها بحسب الخطوة التي تخطوها نحو حلمها وهلوساتها، التي تجاهر بها اليوم كما لم تفعل أبداً. وفي ضوء هذه الحقيقة الكاشفة، لم يعد ممكناً تجاهل مقولة إن إسرائيل، حتى لو لم يهاجمها أيٌّ من خصومها، ستعمد إلى إيجاد واقع يستدعي الهجوم عليها، وهو في الواقع دفاع عن الأرض والأنفس ضدّ احتلال طويل وبشع.

بعد أزيد من 22 شهراً من الحرب، ومن تقليب أرض قطاع غزّة بحثاً عن الأنفاق والمخابئ، وبعد تصريحات متتالية بإصابة قدرات "حماس" في مقتل، وتصريحات مماثلة عن قدرات حزب الله القتالية والعسكرية، يكرّر قادة الحكومة والجيش في إسرائيل مطالبتهم بنزع السلاح هنا وهناك وليس لهذا الحديث المُكرَّر من معنى آخر سوى إمّا كذب إسرئيل في ادّعائها إضعاف خصميها اللدودَين أو سعيها لزرع بذور الشقاق بين المقاومتَين وبيئتيهما الداخليَّتَين السياسية والمجتمعية، وفي حالة "حماس" قد تمتدّ المواجهة في مسألة السلاح (كما تشي النيات) إلى دولة مثل مصر، التي تنخرط بقوة في المفاوضات، نظراً إلى كلّ الارتباطات الجيوسياسية التي يفرضها الواقع عليها وعلى "حماس" معاً. وفي وقتٍ تتعاطى فيه أطراف التفاوض في الحرب على غزّة مع مسألة نزع سلاح المقاومة بحذر وهدوء نبرة، وبلا تشنّج، رغم الحنق الكبير الذي تثيره شروط نتنياهو، فإن حزب الله (في المقابل) ردّ على تهديدات توماس برّاك، في زيارته قبل الماضية لبنان، بتهديدات مماثلة فسّرها كثيرون بتلويحٍ بحرب أهلية إذا ما عمدت أيّ سلطة في لبنان إلى محاولة نزع سلاحه بالقوة. تلويح أثار بلبلةً وأعاد إلى الواجهة أحاديث قديمة متجدّدة عن "دولة داخل الدولة" أو سلطة خارجة عن سلطة الدولة. فيما يبدو أن أكثر ما كان يدافع عنه الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، أهميةً بمفرداته المنتقاة هو فكرة المقاومة في ذاتها، بغض النظر عن قدراتها العسكرية الفعلية، وعن سيادة القرار اللبناني بعيداً عن إملاءات يحملها مبعوث من دولة هي الوجه الآخر لإسرائيل.

إن ثنائية المقاومة/ السلاح ضدّ المحتل الإسرائيلي هي في الحقيقة فكرة واحدة أقرب إلى الانصهار. إذا أُسقط منها السلاح، تندثر المقاومة فكرةً وفعلاً، وهو ما تدركه حركات المقاومة جيّداً، وتعلم أن ما يحدُث هو انتزاع لعناصر الوجود الواحد تلو الآخر، الأرض، ثمّ الكيانات والمقوّمات التي تنتمي وترمز إليها وترابط فيها وتدافع عنها، والمقاومة بلا سلاح ستكون النفَس الأخير في جسد يحتضر في بقايا أرض لم تعد ملكه. إسرائيل، وهي تستعرض أقصى قوّتها، تصل اليوم إلى المرحلة التي تعتقد أنه قد آن أوانها ولا تريد تشويشاً، بل استسلاماً تامّاً، تتشارك في محاولة فرضه مع أطراف في المنطقة، ويا للعجب! تروّجه فرصةً ضاعت من قبل، ويمكن أن تتجدّد، يمارس فيها الفلسطينيون مقاومة سلمية تجلب لهم تعاطفاً أكبر على غرار مقاومة نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، وقبله المهاتما غاندي، وهي فكرة نكتة، ليس فقط لأن الزمن تغيّر، بل لأن العدو المحتلّ هو إسرائيل، والشخوص الذين يتداولون مهمّة استمرار الاحتلال وتكريسه، ومحو الطرف المحتلّ، هم متطرّفون مهووسون يتفاوتون في مراحل درجات الهوس فقط، التي يبلغونها تباعاً.

"العبثية الحقيقية هي في تواصل النقاش: هل سلاح "حماس" هو المحدّد لتوقّف التجويع والتقتيل؟

ليس الاستسلام التام المنشود سوى التعبير الصريح عن رؤية "السلام عبر القوة" التي يتبنّاها نتنياهو وأعوانه، ويتبنّاها الراعي الأكبر في البيت الأبيض، ومن دون مقدّماتٍ يُستعاض عن "السلام" في هذا السياق بخريطة "إسرائيل الكبرى"، بلا أدنى تحفّظ أو جهد في مناورة مؤقّتة لا تنفّر الحلفاء في المنطقة أو المتعاونين ببراغماتية لإنهاء الحرب التي استنزفت الجميع. وتستعرض خريطة "إسرائيل الكبرى" هذه في الشاشات صورة، وفي التصريحات تفصيلاً وتحليلاً وتهديداً وتهليلاً بقرب بلوغ الهدف، في الوقت الذي تأمر فيه إسرائيل "حماس" وحزب الله وغيرهما بنزع أسلحتهم، وتشير الخريطة إلى أراض تزمع اقتطاعها من دول مجاورة، يرتبط بعضها بتفاهمات سلام مع إسرائيل، وتمتلك جيوشاً نظاميةً لا يستهان بها عدداً وعتاداً، ما يثير تساؤلات جدّية عن مقاصد إسرائيل من تحرّشها الفجّ بهذه الدول وجيوشها، وعن ردّة الفعل المحتملة من هذه الدول غير البيانات الجماعية المندّدة ببلطجة لم تعد قابلة للّجم.

ليس ضرورياً أن يقال كل شيء علناً وبعباراتٍ مباشرة، فأغلب السياسة رسائل وتلميحات ومناورات، وما تريده إسرائيل من خلع أنياب المقاومة قبل طردها، ينطوي على رغبة مماثلة، لم يحن الوقت بعد للإفصاح عنها، بل تحقيقها فعلياً، بإضعاف دول أخرى في المنطقة لا تزال تحتفظ بمقوّمات قوتها، وهو مصير مخيف، يجبرها مجرّد تخيله (أو هكذا يفترض) على أن تدافع بدورها، ومن موقعها، عن المقاومة، وتساعدها بما استطاعت لتستمرّ بشكل أو بآخر، لأن في سقوطها واندحارها مقدّمة للاستفراد بمن سيأتي دوره.

في المقابل، هناك في الأطلسي (وعبر الأطلسي)، ورغم اختلاف السياقات وطبيعة الصراع والفاعلين فيه، فإن مشاهد تكتّل قادة الغرب إلى جانب أوكرانيا، وتنسيقهم المستمرّ، ووقوفهم صفّاً واحداً وكلمةً واحدةً وقراراً موحّداً أمام ترامب، العنيد الذي لا يروقون له، وأمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لا ينفكّون ينفخون بكل الوسائل والأساليب في خطره المزعوم، وخطر بلاده عليهم، تجبر من يتابعها على مقارنة لا مهرب منها، وعلى إسقاط تلقائي على الحالة العربية وتهاونها وارتعاش أيادي الفاعلين فيها (أو جلّهم) وهم يشهدون على أخطر مرحلة تمرّ فيها قضية الفلسطينيّين، القضية التي يرتبط بقاؤهم أو عدمه ببقائها أو قبرها، كي تصبح الطريق بعدها سالكةً نحو الجميع، وفي كل الاتجاهات التي حدّدها مَن رسم تلك الخريطة. قيل منذ البداية، ويتأكّد القول اليوم أكثر، إن غزّة (على صغرها) هي البداية. فهل سيُسمح بأن تكون النهاية وأقصى حدود الفعل والإرادة عند العرب؟