نجاحات غير كروية للأردن في كأس العرب

21 ديسمبر 2025

مشجّعون أردنيون خلال مباراة السعودية والأردن في كأس العرب في قطر (15/12/2025Getty)

+ الخط -

حلّ المنتخب الأردني لكرة القدم ثانياً في بطولة كأس العرب التي أقيمت أخيراً بتنظيم مثالي في قطر. وإلى جانب ما يمكن قراءته فنياً في هذه المناسبة الرياضية المميزة، وهو ليس مجال هذه المقالة، يمكن رصد خمسة نجاحات غير كروية حققها الأردنيون في هذه المشاركة الاستثنائية، إذ كانت المرّة الثانية التي يلعب فيها الأردن مباراةً نهائيةً لبطولة كبرى تقام تحت مظلّة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في أقل من سنتين، بعد أن لعب العام الماضي نهائي كأس آسيا، وبينهما تأهل إلى بطولة كأس العالم للمرّة الأولى في تاريخه.

يتعلق النجاح الأول بتقديم دفعة كبرى للروح الوطنية بين الأردنيين. لطالما كانت الرياضة دافعاً للاعتزاز الوطني، يُلاحظ ذلك على سبيل المثال في الألعاب الأولمبية، حيث يمنح الرياضيون الذين يحصدون الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية فخراً كبيراً للشعوب التي ينتمون لها، فتظهر أسماء الأوطان على قائمة الدول الفائزة، ويُرفع العلم وتُعزف موسيقى النشيد الوطني مع كل موقفٍ يجرى فيه تتويج الفائزين. ولا ريب أن الدول التي لا تظفر بميداليات في تلك الألعاب تشعر بالفشل ونقص الإنجاز أمام الفائزين، ليس في المجال الرياضي وحسب، بل أيضاً في كل المجالات، خصوصاً حين لا يُرفع علمها أمام العالم، ولا يُتحدّث عن نجاحات رياضييها، فالنهوض الرياضي مؤشّرٌ على نهوض البلدان وحُسن إدارتها وقدرتها على تحقيق الإنجازات. حين يتقدّم المنتخب الأردني لكرة القدم اليوم ويضع نفسه على خريطة كرة القدم العربية والقارّية والعالمية، ويجعل علم البلاد واسمها قريناً للنجاح، فإنه بالضرورة يبثّ الروح الوطنية عند الشعب، التي قوامها الاعتزاز الوطني والمكانة أمام الآخرين.

يقود هذا النجاح الأول إلى الثاني، متمثلاً في الأهلية التنافسية، فقد مرّ زمنٌ كان فيه فوز المنتخب الأردني لكرة القدم على نظرائه من مصر أو السعودية أو الإمارات، وقبلها كوريا الجنوبية وغيرها من الفرق الآسيوية، حلماً بعيد المنال، بينما بات اليوم ممكناً ومتحققاً. يقول المنتخب الأردني اليوم إن الأردنيين قادرون على المنافسة والإنجاز في مختلف المجالات، حتى لو كانت إمكاناتهم أقل من شعوب أخرى. يعرف الأردنيون ذلك منذ زمن، فهم شعب متعلّم ونشط، لكن منتخب كرة القدم يعلق الجرس اليوم، ويقول للجميع: هيّا بنا.

النجاح صنعه التخطيط السليم ومتابعة التنفيذ بجدّية خلال فترة طويلة، ولم يكن نجاحاً فردياً أو حالة مؤقتة ترتبط بشخصٍ واحد

ولا يبتعد هذان النجاحان عن النجاح الثالث، وقوامه التميّز في حال العمل فريقاً. تبدو الشعوب أحياناً غير قادرة على العمل فريقاً، ويبدو الإنجاز الفردي أقرب إلى التحقّق وأسهل للإنجاز. ولا ريب أن النجاح الجماعي أكبر أثراً وقيمةً من الفردي على أهميته أيضاً. يقدّم منتخب الأردن لكرة القدم اليوم نموذجاً ليس لأهمية العمل فريقاً وحسب، بل للقدرة على تحقيق إنجازات كبرى من خلال العمل فريقاً في كل المجالات. وما ينطبق على الفريق الكروي ينطبق على الجمهور الذي التفّ حوله. لقد بدا الجمهور الأردني في الدوحة منظّماً ومتناغماً في تشجيعه الفريق داخل الملعب وخارجه، مدفوعاً بالأمل في نجاح الفريق من مباراة إلى أخرى. وهذا يؤكد أن الأمل مفتاح ضروري للانضباط في روح الفريق، والعمل الجماعي، لأنه الذي يُقنع الفرد بجدوى العمل مع الآخرين، والتنازل عن المكاسب الفردية لصالح المكسب الجماعي الكبير.

يتمثل النجاح الرابع في أهلية الفرد للتميّز في حال المثابرة والعمل الجاد. اليوم، يحترف عدد من لاعبي المنتخب الأردني في دوريات آسيوية وأوروبية، في مؤشّر على نجاحهم الفردي كما نجاحهم الجماعي فريقاً. ولا بد من أن هؤلاء اللاعبين الأفراد عملوا بمثابرة حتى نالوا ثقة فرقهم التي ضمّتهم بعقود احترافية، قبل أن يحظوا بثقة المنتخب الذي ضمّهم ليحظوا بشرف تمثيل بلدهم، أبرزهم موسى التعمري الذي يلعب في الدوري الفرنسي ولم تُتح له فرصة اللعب هذه المرّة في كأس العرب، كذلك يزن النعيمات ويزن العرب وغيرهما. يقول المنتخب الأردني لكرة القدم إننا قادرون على التميّز في حال المثابرة الفردية والإصرار الجماعي، ولا بد من اعتبار الكفاءة معياراً وحيداً للوصول إلى المواقع التي تقتضي الخدمة العامة، فبغيرها تخسر البلاد طاقات أبنائها وتبدّدها. وهو مثال للجميع ممن تابعوا انتصارات المنتخب والتفّوا حوله وهتفوا له باعتباره ممثلاً لاسم البلاد وعلمها.

ما قدّمه نجاح المنتخب الأردني لكرة القدم يفيض عن كرة القدم. إنه نموذجٌ وطنيٌّ يمكن استخلاص العبر منه والبناء عليه

للنجاح الخامس علاقةٌ بالتخطيط للمستقبل. لم يكن هذا النجاح الأردني في كرة القدم وليد المصادفة، بل ثمرة عمل امتدّ سنوات، تضمّن إقامة أكاديميات كروية للناشئين، ورعايتهم ومتابعتهم وتوفير الاحتياجات المالية والمعنوية لتطويرهم. دليل ذلك أن الإنجازات الكروية الأردنية متواصلة في السنتين الأخيرتين، بعد أن تطوّرت تدريجياً في العقد الأخير، فكان الأردن على بعد خطوة من الوصول إلى كأس العالم في البرازيل عام 2014. ولعل لنا في قصّة مدرب الأردن السابق لكرة القدم عبرة؛ إذ شاع أنه مَنْ صنع إنجازات الفريق في كأس آسيا، فسارع أحد الأندية العربية للتعاقد معه مقابل عائد مالي مجزٍ ليصنع إنجازاً مماثلاً مع فريقهم، لكن المدرّب أخفق هناك، بينما واصل المنتخب الأردني إنجازاته مع مدرّب آخر، ما يؤكّد أن النجاح صنعه التخطيط السليم ومتابعة التنفيذ بجدّية خلال فترة طويلة، ولم يكن نجاحاً فردياً أو حالة مؤقتة ترتبط بشخصٍ واحد. ويعكس هذا كلّه أهمية التخطيط السليم ومتابعة التنفيذ من دون إحباط على مدار سنوات، ليكون ممكناً تحويل الآمال والأحلام إلى حقائق. وهذا التخطيط، وملاحظة النجاح الذي يوفره، هو الضمانة لإشاعة الأمل في الإنجاز عند الناس، وتلك حقيقة عرفتها الشعوب في مختلف المجالات، بما فيها التنمية الاقتصادية والتطوّر الصناعي والتجاري.

الخلاصة أن ما قدّمه نجاح المنتخب الأردني لكرة القدم في السنتين الأخيرتين يفيض عن كرة القدم. إنّه نموذجٌ وطنيٌّ يمكن استخلاص العبر منه والبناء عليه، خصوصاً حين يكون مستمراً ومتواصلاً، فيصنع نجاحاتٍ أكبر في السنوات المقبلة مع استمرار التخطيط والبناء، ومع تعزيز قيم المثابرة الفردية والعمل الجماعي، وتعميم الروح الوطنية.

1E93C99F-3D5E-4031-9B95-1251480454A7
سامر خير أحمد

كاتب أردني من مواليد 1974. صدرت له سبعة كتب، أبرزها: العرب ومستقبل الصين (بالعربية والصينية)، العلمانية المؤمنة، الماضوية: الخلل الحضاري في علاقة المسلمين بالإسلام، الحركة الطلابية الأردنية. رئيس مجموعة العمل الثقافي للمدن العربية.