محاولة إسقاط مفاهيم الوساطة
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل نحو عامين، إنه "سيغيّر وجه الشرق الأوسط استراتيجياً". ثم أكّد، في العدوان على قطر، الثلاثاء الماضي، أن "التغيير الاستراتيجي" لا يتعلق فقط بمهاجمة من يعتبرهم أركان المحور الإيراني، بل أيضاً إسقاط كل مفاهيم الوساطة في الحروب عموماً، لا بين الاحتلال وحركة حماس فحسب. وإذا سقط مفهوم الوساطة الذي تمثله قطر، طرفاً حضر في وساطاتٍ عابرةٍ للقارّات، فإن أي نوع من الوساطات المستقبلية، لأن الحروب ستظلّ محرّكة العقل البشري حتى إشعار آخر، سيُكتب له الوهن انطلاقاً من العدوان الإسرائيلي على قطر.
من الصعب تخيّل غياب الوساطات في أي نزاع، لما له من تأثيرٍ على ملئه فراغه بحروبٍ أكثر تشعّباً. حتى في حالة الغزو الروسي لأوكرانيا، إن تغييب الوساطات، مع تفاوتها وحتى عللها، يعني امتداداً أوسع وأكثر كثافة للحروب في القارّة القديمة. وفي حالة غزّة بالذات، لا يمرّ الغرض الإسرائيلي بإسقاط المفاوضات سوى بإبعاد الوسيط، ولو أن الهدف في الدوحة كان حركة حماس. الهدف هنا بمثابة ذريعة إسرائيلية، لتكريس واقع مختلف، وإن كان في حالة الاحتلال متّصلاً بإنهاء الإبادة في غزّة بشروطه. ردّة الفعل على العدوان على قطر باتصالها الجوهريّ بالحرب الإسرائيلية على غزّة، فإنها أيضاً تستولد مفهوماً يُدرّس لاحقاً. إن استهداف بلدٍ وسيط، مهما كانت الحجة، من دون ردة فعل جدّية عليه، سيسمح بنشوء حالات مشابهة في أي وقتٍ في المستقبل، ما يجعل الحربين العالميتين الأولى (1914 ـ 1918) والثانية (1939 ـ 1945)، مجرّد إرثين لحرب عالمية ثالثة، أكثر تدميراً وهولاً.
ليست المسألة مرتبطة بقطر وغزّة و"حماس"، أي في نطاق إقليمي وجغرافي ضيّق على مستوى الكرة الأرضية، بل هي أكثر اتصالاً بجوهر العلوم السياسية. ذلك، لأن محاولة تغييب الوسيط القطري، بعد تراجع واسع لدور الأمم المتحدة، ستُنهي عملياً احتمالات وجود من يمكنه جمع الأطراف المتضادّة، أو أن يسهّل تلاقيها. ربما لهذا السبب يحتاج نتنياهو إلى التحرّر من عبء إرسال الوفود التفاوضية، لأن نتيجة أي تفاوض، خارج سياقات إبادة سكان غزّة وتهجيرهم، تُعدّ نكسة له بمفهومه الشخصي، لا بالمفهومين، السياسي والعسكري. ارتباطه بالتيارات المتطرفة في إسرائيل، يمنعه من التفاوض كأي طرف عسكري في أي حرب تقليدية. وفقاً لهذا، كيف يُمكن له القبول بوساطة، ستجعله يدفع ثمناً ما؟
لن يتردّد نتنياهو في الهروب إلى الأمام، واختراع الاتهامات ضد قطر، من دون الإقرار بفشل طائراته في مهمّتها بالقضاء على قيادة حركة حماس في الدوحة من جهة، ولا الاعتبار بأن هذه الخطوة ستُضعف الجهود الدبلوماسية لوقف الإبادة في غزّة من جهة أخرى. أكثر من ذلك، لن يتورّع عن القيام بحملات قصفٍ أو عملياتٍ أمنيةٍ مدوّيةٍ في الفترة المقبلة، لإشاحة الأنظار عن العدوان على قطر. هي نفسها السياسة التي يمارسها في التهرّب من جلسات محاكمته قضائياً، ومن محاولاته كسب الوقت. في السياق، وضع هدفاً محدّداً له، كرّره مرّات عدة في الأسابيع الأخيرة، أن "ما بدأ في غزّة سينتهي في غزّة". على طول هذه الطريق، سيسعى إلى القضاء على أعدائه وخصومه، ويحاول إنهاء دور الوسطاء، والفرار من القضاء. ستسود الفوضى والضوضاء في كل ما سيفعله نتنياهو، حتى يتمّم تهجير قطاع غزّة والبدء ببناء مستوطنات فيه. من يجعل "حدوده الشرقية" غور الأردن لا مستوطنة "معاليه أدوميم"، لن يتردّد في جعل "الحدود" الجنوبية الغربية على مشارف العريش المصرية. ومثل هذا الشخص لا يقيم اعتباراً لوسيط ولا للعمل الدبلوماسي ولا للمنطق السياسي، بل حصراً في كيفية تحقيق كل الأهداف من دون دخول السجون، والبقاء "خالداً" في التاريخ الإسرائيلي. هذا هو نتنياهو ولن يتغيّر وهو على مشارف الـ76 من عمره.