ليلى شهيد... عن العمل والأمل

24 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 01:58 (توقيت القدس)
+ الخط -

لم أفهم لماذا عدتُ فورَ سماعي الخبر إلى مقال جان جينيه "أربع ساعات في شاتيلا"، وأفكّر الآن (بعدما انتهت هذه المرّة محاولاتي كلّها لإنكار رحيل ليلى إلى الفشل) في أنّ ذلك المقال لم يكن عن المجزرة وحدها، بقدر ما كان عن القدرة النادرة لشخصٍ ما على تحويل الشهادة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى موقف، والموقف إلى لغةٍ تُقنع العالم بأن ينظر إلى الألم بوصفه قدَراً إنسانيّاً فادحاً، يجب العمل على تغييره بأقصى ما نستطيع، من يأس ربما وليس من أمل.
لقد عاشت ليلى شهيد في مساحة رمزية معقّدة بين المنفى والهُويّة، بين الدبلوماسية والذاكرة، وبين السياسة والثقافة. كانت شهرتها في باريس وأوروبا نتيجة حضور شخصي كثيف، هادئ ومؤثّر. حضور يتحوّل فيه الإنسان من وظيفةٍ إلى صوت، ومن تمثيلٍ رسمي إلى تمثيلٍ رمزي لقضيةٍ وذاكرةٍ جماعية. كانت تمشي في الفضاء العام كما تمشي القضايا الكبرى؛ محاطةً بالأسئلة وبالأمل وبشيءٍ من الحزن الذي لا يزول. وُلدت في سياقٍ تاريخي لم يكن رحيماً بأحد: تاريخ تشكّلت فيه الهُويّة الفلسطينية عبر الصدمات الكبرى، من النكبة إلى المنفى إلى إعادة بناء السردية الوطنية في الخارج. لكن هذا التاريخ لم يكن مجرّد خلفية لسيرتها، بقدر ما كان عنصراً بنيويّاً في تكوين وعيها السياسي والثقافي. منذ صباها، انخرطت في العمل السياسي، غير أنّ مسارها لم ينغلق داخل القالب الحزبي الضيّق، وإنما اتّسع داخل شبكة من المثقّفين الفلسطينيين والعرب والفرنسيين، أولئك الذين أدركوا مبكّراً، أنّ معركة السرد لا تقلّ أهميةً عن معركة السياسة. هنا تكمن فرادتها التي تُحزنني اليوم أكثر ممّا تُدهشني: كانت تعرف أنّ اللغة جبهة، وأن الثقافة أداة بقاء. علاقتها بالثقافة لم تكن زينةً لخطاب سياسي، وإنما كانت صلب استراتيجيتها في مخاطبة أوروبا بلغتها ومفاهيمها وضميرها. كأنّها فهمت، منذ وقتٍ مبكّر، أنّ المثقّف يمكن أن يكون دبلوماسياً من دون أن يفقد حساسيته، وأن الدبلوماسي يمكن أن يكون مثقّفاً من دون أن يتحوّل إلى بيروقراطي بارد.
في الوعي الأوروبي، خاصّةً خلال التسعينيّات وبداية الألفية، أصبحت من أبرز الأصوات التي شرحت الرواية الفلسطينية وفكّكتها ودافعت عنها في الإعلام والجامعات والدوائر السياسية. شكّل ظهورها الإعلامي أداءً بلاغياً مركّباً، قائماً على الذكاء، وعلى قدرة نادرة على تحويل النقاش من مستوى الدعاية إلى مستوى التحليل. كانت تتحدّث بهدوء من يعرف أنّ الحقيقة تحتاج صبراً، لا صراخاً، وأن الإقناع عملٌ طويل، يشبه الكتابة، ويشبه الحداد أيضاً.
تزامن مسارها الدبلوماسي مع أكثر المراحل قسوةً وتعقيداً: اتفاق أوسلو (1993) بما حمله من آمال وانكسارات، الانتفاضة الثانية (2000)، حصار القيادة الفلسطينية، وتآكل فكرة الدولة أمام واقعٍ يزداد صلابة. في كل تلك اللحظات، كان عملها دفاعاً يومياً عن سردية شعبٍ في مواجهة عالمٍ متقلّب. وعندما انتقلت إلى بروكسل سفيرة لدى الاتحاد الأوروبي، صارت مهمتها أشدّ صعوبة، في زمنٍ يتراجع الأفق السياسي، ويتعمّق الانقسام، وتتحوّل الحروب المتكرّرة على غزّة إلى مشاهد تتراكم في الذاكرة طبقاتٍ من الحزن. وكلّما تقدّمت السنوات، كانت الخسارات تتكاثر من حولها. أصدقاء، قادة، مثقّفون، رفاق درب، أسماء صنعت جزءاً من الذاكرة الفلسطينية الثقافية والسياسية، ثم غاب الواحد تلو الآخر. يعرف السوريون معنى أن يتحوّل الفقد إلى مناخٍ دائم، ومعنى أن يحمل الإنسان في داخله مقبرةً من الوجوه والذكريات. وربّما لهذا بدت سنواتها الأخيرة صمتاً طويلاً، وإنهاكاً روحياً أمام عالمٍ يزداد قسوة، وانسداد أفقٍ سياسي، وانهياراتٍ عربية متتالية، وصور قتلٍ وتجويعٍ وتدميرٍ لم يستطع قلبها التعايش معها إلى ما لا نهاية.
رافقتني ليلى منذ بدايات الثورة السورية، فتحت بلا تردّد دروب وقنوات عملها السياسي والثقافي في أوروبا أمام القضية السورية، كما لو أنّها تواصل ما بدأته دائماً؛ تحويل المأساة إلى خطابٍ مفهوم، وتحويل الألم إلى ملفٍّ حيّ في ضمير العالم. جُبنا معاً كواليس الفظائع، وتلك المناطق التي لا تصلها الكاميرات ولا تُدوَّن في التقارير. هناك، بعيداً عن المنابر، عرفتُ ليلى الأخرى التي تعمل بصمتٍ داخل البنى التحتية، مع اللاجئين وضحايا حروب هذه المنطقة التعيسة، تُصغي أكثر ممّا تتكلم، وتُنجز أكثر ممّا تُعلِن. لم تكن متعالية، ولم تكن صوتاً إعلامياً فقط، لقد كانت فاعلةً ميدانيةً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تؤمن بأن العدالة تبدأ من التفاصيل الصغيرة، من الأسماء المنسيّة، ومن الوجوه التي لا يعرفها أحد. كثيرون لم يعرفوا أن قضيتها الأعمق لم تكن محصورةً في جغرافية واحدة، بل كانت العدالة الإنسانية نفسها. لذلك عملت لأجل فلسطين ولبنان وسورية كما لو أنّها قضية واحدة تتشظّى في خرائط مختلفة وتلتقي في الجرح ذاته. وحتى حين ظهرت في نظر العالم صوتاً مدافعٍاً عن فلسطين، كانت في جوهرها تدافع عن الإنسان حيثما وُجد تحت الركام، أو في المنفى، أو على حدودٍ لا تعترف بآلامه.
وداعاً يا صديقة... وداعاً يا عاصفة العمل والأمل.