ليلة مسلّية للغاية

09 ابريل 2026

(أحمد معلا)

+ الخط -

ظنّي أنّ مشكلتنا، أقصد بـ"نا" نحن البشر، باستثناء 34% من الأميركيين الآن، ليست مع ترامب بشكل محدّد، ولا في الإرباك العقلي الذي يسبّبه لنا في مدار الساعة. بل مع عقولنا التي لم تصبح جاهزةً بعد لهذا النوع من التعبير السياسي. رغم أنّ كلّ ما يحيط بنا في السنوات العشرين الماضية، كان تدريباً عصبياً على التعامل مع السياسة والثقافة والفنّ والعلم والأدب، ومع الحياة نفسها، بوصفها شريطاً من الريلات. متتالية وغير مترابطة، ومسلّية، ومسبّبة للإدمان، ومصمّمة للعبور السريع من فتحة العين إلى روابط الدماغ، ثم إلى خلفيته، فاسحةً المجال لريلات جديدة، مغادرة الجزء الواعي من الدماغ بالسرعة التي تغادر فيها شاشةً تلاعبها إبهام.
حين صرّح ترامب الاثنين الماضي أنّ حضارة كاملة ستزول يوم الثلاثاء، أخذه بعضهم بجدّية، وبدأوا بالتصرّف كأنّ قنبلة نووية ستسقط علينا بعد قليل، فأطلقوا النكات ليودّعوا الدنيا ضاحكين، أو أطلقوا الحِكم ليغادروا الدنيا وقد فهموها.
في الحقيقة، كان أفضل ترند أطلقه ترامب في دورتيه الرئاسيّتَين، وهو عملياً أفضل مُطلِق تريندات، وأكثر من يستطيع إشغال العالم على مدار الساعة فـ"يَسْهَرُ الخلقُ جرَّاها وَيَختَصِمُ"، بتعبير أبو الطيب المتنبّي.
لست في وارد مناقشة تقنيات ترامب التفاوضية، وطريقته الوقحة والبازارية، فهذه كتب فيها كثير، وقال كلّ من يعرف ألف باء السياسة أنّ تصعيد اللهجة إلى هذه العتبة يعني أنّ لحظة التوقّف قد حانت، وأنّ تقنيته واضحة للغاية، وتشبه اللحظة التي يخرج فيها الزبون متباطئاً وأذنه تنتظر دعوة البائع للعودة. ما يشغلني هو الشبه الكبير بين خوارزمية عقل ترامب وخوارزمية مواقع التواصل الاجتماعي، وقدرتهما على التعامل معنا بالطريقة نفسها، مستغلّين بنية عقلنا غير المستعدِّة بعد لعملية تذرير المعرفة التي تجري علينا.
في زحمة انتظار الأخبار في ليلة الثلاثاء، قرأت لشخص يقول: صحيح أننا خسرنا، ولكنّ المعركة لم تنته، والجولات المقبلة ستثبت ذلك وتُعرّف العالم من جديد مَن نحن وماذا يمكن أن نفعل. لوهلة ظننته قاسم سليماني وقد عاد إلى الحياة، أو أنّه بيت هيغسث، ثم تبيّن أنّ بايرن ميونخ فاز على ريال مدريد 2 - 1 في دوري الأبطال. استأتُ لضياع دقيقة من الوقت الحسّاس على خبر لا يتعلّق بأنّ اتفاق هدنة قد تم، أو قنبلة نووية على وشك السقوط، فمرّت معي صورةٌ لشابّة جميلة ترتدي فستاناً فضّياً مطرّزاً بالأزرق كُتب عليها: الفنّانة فلانة في إطلالة جديدة. انتفضت وكأنّ القنبلة قد سقطت فعلاً في العراق، وقلت بصوت عالٍ: كذب. هذه الإطلالة ليست جديدة، لقد رأيتها بهذا الفستان يوم طالب ترامب بجائزة نوبل للسلام.
الأرجح أنني رأيت المنشورين متتالَيين، فربطهما عقلي معاً، كما يربط كلّ تفاهة يرميها العالم في وجهي بتفاهة فعلها ترامب، فهو حاضر في حياتي، وكما قلت في البداية، لا أظنّه هو السبب، بل بنية العقل التي تدرّبت ألوفاً من السنين على السياق، وليس على كمّية المعلومات. فلم يعد العقل البشري جدول "إكسل"، بل نهر فيديوهات قصيرة، لا يتوقّف عن الجريان، وفي هذه السنوات الأربع، للأسف، يبدو ترامب أكثر حصاه لمعاناً.
يحذّر علماء الأعصاب من دفق المعلومات الهائل، ومن تأثيراتها في الصحّة العقلية والنفسية للبشر، ويقولون إنّ العقل البشري "هارد" هائل يتّسع لـ4 تيرا بايت من "الداتا"، بل يصل بعضهم إلى تقديرات نظرية تقارب 80 تيرا، ولكنّ المشكلة هي حشو الدماغ بكمّ كبير من المعلومات غير المهمّة وغير المترابطة.
وقد صرت أظنّ اليوم أنّ خطر ترامب على العالم لا يقتصر على إشعال الحروب، وخسارة الحلفاء، والرغبة في توريط الآخرين بحروبه وتقلّبات مزاجه، ولا تتعرّض لخطره شعوب الدول التي لا يحبّها فقط، ولا الجسور والمدارس، بل يهدّد النوع البشري بكامله، وفي مستوى أبعد بكثير، إنّه يُسرّع اضطراب العقل الجماعي الذي نسير إليه جميعاً بفعل فستان فتاة مكرّر، وخدعة تعليق كأس حليب فوق باب الزوج، وفكّ حمّالة صدر بحركة واحدة، وبحروب ترامب.

يعرب العيسى
يعرب العيسى
كاتب وصحافي سوري، من أسرة "العربي الجديد".