لبنان… الجبهة المفتوحة
تصاعد دخان ونيران من مبنى عقب غارة إسرائيلية في صور جنوبي لبنان (28/5/2026 فرانس برس)
فيما يترقب العالم تفاصيل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وما إذا كانت ستصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، فإن القناعة باتت راسخة في أن هذا الاتفاق لن يشمل الساحة اللبنانية، حتى وإن أصرّت إيران على أن يكون وقف إطلاق النار شاملاً كل الجبهات.
وضع الجبهة اللبنانية مختلف كثيراً عن نظيرتها الإيرانية، وأكثر تعقيداً. والأمر لا يتعلق بإسرائيل فقط، إذ يضاف إليها الانقسام الداخلي اللبناني الذي ينذر بانفجار وتداعيات أخطر من الاعتداءات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل المفاوضات التي دخلتها السلطة اللبنانية مع الاحتلال الإسرائيلي، ووصلت إلى مرحلة صياغة تفاهم من شأنه أن يقلب صيغة التعايش اللبنانية برمتها.
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، كان الخلاف قائماً حول ما إذا كان هذا الإعلان شاملاً الساحة اللبنانية. خرجت تأويلاتٌ كثيرة، سواء من الولايات المتحدة أو إيران، لتشير إلى سوء تفاهم بشأن هذه النقطة، ولا سيما في ظل الرفض الإسرائيلي المطلق لوقف القتال على الجبهة الشمالية الإسرائيلية.
وعلى هذا الأساس، تم التسليم من الجميع بأن الحرب على هذه الجبهة لن تتوقف، وإن جرى وضع قيود أميركية على "حرية الحركة" الإسرائيلية في لبنان، ومنها التوقف عن استهداف العاصمة بيروت. لكن الأمر لم يستمر طويلاً، فالغارات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية استمرّت، ولكن بوتيرة أقل، وتركزت على اغتيال من تقول دولة الاحتلال إنهم قيادات في حزب الله.
من المعلوم أن المواجهات أخيراً، وتحديداً بعد بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، أظهرت أن حزب الله لا يزال يمتلك عناصر قوة فاجأت دولة الاحتلال التي اعتقدت أن الحزب فقد قدراته خلال حرب 2024، والتي اغتالت في أثنائها الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله. لكن الوقائع أظهرت أن حزب الله لا يزال يمتلك مفاجآت تربك إسرائيل، خصوصاً سلاح المسيّرات الذي تقف إسرائيل أمامه عاجزة.
ترى إسرائيل في حزب الله تهديداً وجودياً، خصوصاً في ظل وجوده على حدود فلسطين المحتلة، على خلاف الوضع على الجبهة الإيرانية. ومن الواضح أن إسرائيل نجحت في إقناع الولايات المتحدة بهذا الواقع، استناداً إلى تجربة "7 أكتوبر" (2023)، والتي لا تريد دولة الاحتلال تكرارها على الجبهة الشمالية.
ولنكن واقعيين، لا يأبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب كثيراً بالوضع على الجبهة اللبنانية، فاهتمامه منصبٌّ على الحرب مع إيران التي يريد الخروج منها بأقل الخسائر، وربما بعض المكاسب التي لا تزال إيران رافضة منحه إياها. وبالتالي، مجمل تعاطيه مع الجبهة اللبنانية هو على المفاوضات التي تستضيفها واشنطن، ويظن أنه من خلالها سيحيد لبنان عن المواجهة مع إسرائيل. وهذا التفكير الأميركي قاصر جداً عن فهم تعقيدات الساحة اللبنانية، فالاعتقاد أن من شأن إعلان النيات أو الاتفاق على ما تسمّى "الترتيبات الأمنية"، إنهاء القتال على الجبهة اللبنانية وهم مطلق، ولن يكون إلا شرارة لإشعال جبهة من نوع آخر.
شهدت الأيام القليلة الماضية رسائل مختلفة في الداخل اللبناني تنذر بأن الآتي سيكون أسوأ في حال مضي السلطة في مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وكانت رسائل واضحة في مضامينها، فالاتفاق المقرّر التوصل إليه اليوم على الترتيبات الأمنية، لن يراه حزب الله إلا تحالفاً بين السلطة في لبنان وإسرائيل على هدف نزع سلاح حزب الله، أي سلاح المقاومة كما يراه كثيرون داخل لبنان وخارجه. ولن تكون مواجهة مثل هذا الاتفاق في الداخل اللبناني ببيانات أو خطابات، فكل المؤشرات تدلّ على أن هناك استعدادات من حزب الله وحلفائه على الانقضاض كلياً على السلطة اللبنانية، في ما يشبه الانقلاب على صيغة الحكم التي اتفق عليها بعد اتفاق الطائف، وهو ما جاء في مقالاتٍ كثيرة كتبها إعلاميون يدورون في فلك الحزب، ويحذرون خلالها من المضي في التفاهم مع إسرائيل.
على هذا الأساس، وضع الجبهة اللبنانية أكثر تعقيداً من غيرها من الجبهات، فإن استطاعت الولايات المتحدة وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وهذا مستبعد، لن تستطيع وقف المواجهة الداخلية، والتي قد تؤدّي إلى توسيع التدخل الإسرائيلي.