كاليغولا في البيت الأبيض

04 سبتمبر 2025
+ الخط -

تغضب إسرائيل من الدول الأوروبية، فتنتقم الولايات المتحدة من الفلسطينيين، فتضرب وتفتك وتتعسّف على نحو غير مسبوق، وهذه عملية اختطاف معلن لأكبر إمبراطورية في التاريخ، لا تملك من أمرها شيئاً حين يتعلّق الأمر بتل أبيب، وجديد وقائع هذه العملية أخيراً رفض واشنطن إصدار تأشيرات للرئيس الفلسطيني محمود عبّاس ونحو 80 مرافقاً آخرين (!) لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وليت الأمر اقتصر على عبّاس ومرافقيه، بل شمل الشعب الفلسطيني بأسره، وليس فقط أبناء قطاع غزّة، وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز التي كشفت عن تعليق إدارة دونالد ترامب الموافقة على جميع أنواع التأشيرات لكل من يحمل جواز سفر فلسطينياً، حتى لو كان الهدف من الزيارة العلاج أو الدراسة أو زيارة أبٍ مريضٍ يعيش في الولايات المتحدة قبل وصول جورج بوش الابن وليس ترامب إلى البيت الأبيض.

حسناً، تعتزم دول أوروبية، وأهمّها فرنسا وبريطانيا وكندا، الاعتراف رسمياً بدولة فلسطينية في الاجتماع الأممي المقبل، وهي أعلنت مسبقاً رفضها نصائح السفير الأميركي لدى تل أبيب، مايك هاكابي، ومن قبله وزير خارجية نتنياهو، جدعون ساعر، بإقامة هذه الدولة في إحدى المقاطعات الفرنسية أو الكندية، فما معنى رفض منح التأشيرة لعبّاس، والرجل خارج الملعب فعلياً منذ سنتين على الأقل؟ وإذا كان ثمّة معنى من أي نوع في حالته، فأي معنى حقيقي لرفض منحها لكل أفراد الشعب الفلسطيني؟

هذا نوعٌ من العبث لا يأتيه إلا إمبراطور مخبول مثل كاليغولا. يهين ويفتك ويسحق ويُحيون فلا يردعه إلا الموت، فالمطلوب من رجلٍ مثل عبّاس لم يترك شيئاً إلا قدّمه لإرضاء إسرائيل، رجلٍ يجرّم المقاومة ولا يزال يراهن على حل سلمي، أن يكفّ عن طرق أبواب الشرعية الدولية من أجل قضية شعبه، وأن يبادر إلى مزيدٍ من التنازلات، وليس ثمّة تنازلات ممكنة إلا وقدّمها، بما يسلب الفلسطينيين كل حقوقهم "المشروعة"، فقط ليخرج ماركو روبيو أو المتحدثة باسم البيت الأبيض لتردّ على الأوروبيين بأن الفلسطينيين أنفسهم لا يريدون دولة، فماذا أنتم فاعلون؟

هذه حال لم يصل إليها جورج بوش الابن الذي قرّعته وزيرة خارجيته كونداليزا رايس برسالة قصيرة من كلمة واحدة: اخرس، عندما أفرط في امتداح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أيهود أولمرت، في اجتماع معه عام 2008.

لا أحد يستطيع تقريع ترامب، وهو يستحق أكثر من ذلك، لكن الأوروبيين الذين أُهينوا أكثر مما يجب في لقائه أخيراً مع بوتين في ألاسكا، يستطيعون الرد عليه بما هو أكثر أهمية من التقريع، وتتوفّر لهم الفرصة لذلك في الحالة الفلسطينية أكثر من الأوكرانية، فأي إعلانٍ جماعيٍّ (دعكَ من ألمانيا الآن) بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، أياً كانت القيود على هذه الدولة، من شأنه جعلهم جزءاً فاعلاً في اللعبة التي تديرها وتتحكّم بقواعدها واشنطن فقط، فبمقدور باريس أو لندن بعد ذلك فرض وقائع على الأرض، تتجاوز منع دخول هذا الوزير الإسرائيلي أو ذاك إلى أراضيهما، وتتّصل بقطاع غزّة نفسه، كأن يصحو نتنياهو من نومه ليجد طائراتٍ فرنسية أو بريطانية، أو من كلتا الدولتين وسواهما، وهي تهبط في غزّة محملةً بالمساعدات، فهذه الدول تتمتع بعلاقات دولية واسعة وفاعلة وبنفوذ في المنطقة، ولا يوجد أي بند قانوني في علاقاتها الدولية يمنع مبادرةً كهذه لو قرّرت القيام بها، فهل سيأمر نتنياهو بقصف الطائرات الفرنسية والبريطانية والكندية لو فعلتها؟

مشكلة الفلسطينيين في محيطهم العربي، وهو "ينصاع" لأي أمرٍ، بل لأي إيماءة. ولنتذكّر أنّ فك الحصار الجوي على ليبيا في حقبة القذافي تمّ بمبادرة أفريقية وليس عربية، وأن المظاهرات المناصرة لغزّة المحظورة علناً أو ضمناً في عموم المنطقة العربية تنطلق من العواصم الأوروبية، بل وخلال مهرجانات السينما العالمية، بينما ترتعد فرائص كثيرين من المسؤولين العرب لو رنّت هواتفهم وكان موظف من الدرجة الثانية في الخارجية الأميركية على الطرف الآخر من الاتصال.

والظنّ أن اعتراف فرنسا وبريطانيا، وكلتاهما عضو في مجلس الأمن، أكثر أهمية من محاولات تبخيسه من بعض المتشائمين العرب، فبعد اعترافهما ستكون واشنطن الشاذّة بين الخمسة الكبار في هذا الشأن، فإما أن تنسحب أو تلجأ إلى أساليب كاليغولا الذي لا يعرّفه التاريخ إلا بصفته مخبولاً.

زياد بركات
زياد بركات
قاص وروائي وصحفي فلسطيني/ أردني، عمل محررا وكاتبا في الصحافتين، الأردنية والقطرية، وصحفيا ومعدّا للبرامج في قناة الجزيرة.