كأس عالم أميركية
معلوم أن السياسة حاضرة بالضرورة في كلّ مناحي الحياة، وأنّها مؤثّرة في مختلف المجالات، ومنها الرياضة، وبخاصّة في الألعاب الشعبية، وتحديداً كرة القدم، اللعبة الأكثر شهرةً. كذلك إنّ علاقة التأثير والتأثّر بين السياسة والرياضة قائمة دائماً، وتشهد على هذا "دبلوماسية كرة الطاولة" التي استخدمت لكسر الجليد بين الصين والولايات المتحدة. لكن كرة القدم، بحكم شعبيتها الطاغية، تظلّ اللعبة الرياضية الأكثر تأثيراً وتأثّراً بالأبعاد السياسية، على المستويين، الوطني والعالمي. وبرز الجانب السياسي في كرة القدم بوضوح بعد ثورة الاتصالات وتقدّم تقنيات التواصل بين مختلف أنحاء الكرة الأرضية في زمن قياسي.
وكما تحوّلت السينما والإعلام ومنصّات التواصل إلى صناعة ونشاط اقتصادي متكامل، تحوّلت الرياضة إلى نشاط اقتصادي متكامل ومنظومة شاملة لها قواعد وتدرّ عوائد، وهو ما يسري على ألعاب مثل التنس والملاكمة وسباقات السيارات، لكن هذا يتجسّد بوضوح في كرة القدم بفعل الحجم الضخم لأنشطتها واتساع نطاق اهتمام متابعيها وانخراط أعداد كبيرة فيها، ممارسةً وتنظيماً وتسويقاً.
قبل 45 عاماً، تزامن تنظيم دورة الألعاب الأولمبية في العاصمة "السوفييتية" موسكو مع الغزو السوفييتي لأفغانستان، فكان قرار الولايات المتحدة، ومعظم الدول الغربية، عدم المشاركة في الحدث الرياضي الأكبر في العالم. وحذت الحذو نفسه دول كثيرة، فقط لأنّها كانت حليفة واشنطن، لا نتيجة موقف سياسي رافض للغزو أو لأي سبب آخر. ومع اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، اتفقت الدول الغربية على استبعاد روسيا من الفعّاليات والمسابقات الرياضية، مع السماح في الألعاب الفردية بمشاركة اللاعبين الروس بصفة فردية وتحت علم اللجنة الأولمبية الدولية.
وكثيرة الشواهد والوقائع التي تكشف زيف شعارات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) باستبعاد السياسة من مسابقات كرة القدم وأنشطتها المختلفة، كما شواهد تكذّب ادعاءات تلك المؤسّسة، والقائمين عليها، بتحييد الحسابات السياسية وإخضاع الفعّاليات الكروية لمعايير الرياضة ومقتضياتها حصراً. وتقدّم كأس العالم لكرة القدم 2026 مثالاً صارخاً على تغوّل السياسة على الرياضة، بل وافتئات الدولة المنظّمة (الولايات المتحدة) على صلاحيات الاتحاد الدولي المعني برعاية نشاط اللعبة وتنظيم فعّالياتها. وتتجلّى الوقاحة الأميركية في أنّ واشنطن واحدة من ثلاث دول منظِّمة للحدث، إذ لم تمارس كندا أو المكسيك أيّاً من أشكال التعنّت الأميركي الذي لم يتوقف عند فرض معايير غامضة لمنح التأشيرات وفرض قرارات وإجراءات تعسفية بحقّ الفرق المشاركة وكذلك مشجعيها. ولم تكتفِ واشنطن بمنع حَكَم صومالي (نال لقب أفضل حَكَم أفريقي في 2025) من دخول الأراضي الأميركية للمشاركة في المونديال، رغم حصوله مسبقاً على تأشيرة دخول أميركية، بل بلغت الغطرسة الأميركية حدّ منع منتخب إيران من الإقامة في الأراضي الأميركية، والسماح له بالحضور للعب مبارياته فقط والمغادرة بعدها مباشرة.
إذا كانت إدارة دونالد ترامب تتعامل بمنطق القوّة وبعقلية راعي البقر في البراري الأميركية، فإنّ مسؤولية ما يجري في كأس العالم حالياً يتحمّلها بالأساس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الذي طالما تشدّق بشعار فصل الرياضة عن السياسة، ثمّ لا يسمع ولا يرى واشنطن وهي تتحكّم في مجريات الحدث، فتسمح بما تشاء وتمنع من تشاء وكيفما تشاء، من دون اعتراض أو حتّى مراجعة. وحين يحمل متفرّج لافتةً أو يرفع لاعب شعاراً إنسانياً من أجل أطفال غزّة، فذلك إقحام للسياسة في الرياضة. أمّا التضييق على منتخب إيران ومشجّعيه، واضطهاد لاعبين أو متفرّجين مسلمين، والتعنّت مع حكّام أفارقة... فذلك كلّه عند "فيفا" شأن سيادي للدولة المستضيفة، وكأنّ الحدث ليس كأساً "للعالم"، بل كأس أميركية بصمت ومباركة من "فيفا".