في الديمقراطية السورية المُؤجَّلة
(وسام العابد)
لا تزال الديمقراطية في سورية مؤجّلةً حتى إشعار آخر، تكاد تغيب تماماً عن ألسنة مسؤولي السلطة السورية الجديدة وخطاباتهم. وإن ذُكرت، فبوصفها ترفاً فكرياً أو "لزوم ما لا يلزم"، في ظلّ قلق موصول من أيديولوجيا لا تعترف أساساً بالديمقراطية. الأحدث في هذا السياق ما ذهب إليه المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع، أحمد موفق زيدان، في منشور له على "فيسبوك" قبل أيام، ذهب فيه إلى أن الحديث عن الديمقراطية والحداثة قبل قيام سلطة قوية "تبسط سيادتها على كامل الأرض" ليس سوى "ضرب من عبث" و"فذلكة" لا تُصرف في "بورصة العمل السياسي والمجتمعي".
وتبريراً لموقفه، استدعى زيدان درس الثورة الفرنسية، زاعماً أن المستفاد منها أنه "لحماية الأبرياء كان لا بدَّ من اكتمال سيادة الدولة على كامل التراب الفرنسي، مع تحييد بؤر الفلول". غير أن الوقائع الأساسية للثورة الفرنسية تقول عكس ذلك، وتؤكّد أن مسار الانتقال الديمقراطي الفرنسي منذ انطلاق الثورة لم يتوقّف. فبعد أقلّ من شهر على اقتحام سجن الباستيل، وفي لحظة كانت فيها فرنسا على حافة الانهيار الاقتصادي والفوضى الأمنية، أصدرت الجمعية الوطنية "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" (أغسطس/آب 1789)، الذي نقل السيادة إلى الشعب، وأقرّ حرية الرأي والتعبير والمساواة أمام القانون، انطلاقاً من قناعةٍ بأن الحقوقَ شرطٌ للخلاص الوطني، لا ثمرةٌ من ثماره.
بعدها بعامَيْن، وفي ظلّ إفلاس مالي، وتمرّدات داخلية، وتهديد خارجي من ممالك أوروبا، ومع محاولة الملك لويس السادس عشر الهروب والانقلاب على الثورة، أقرَّت الجمعية الوطنية دستور 1791 الذي أرسى مَلكيةً دستوريةً، وبرلماناً مُنتخَباً، ومنح حقَّ التصويت، وإن بصورة محدودة. لم تؤجّل الثورة المشاركة الشعبية إلى ما بعد "استتباب الأمور"، وترسّخ قبضة السلطة.
اللحظة الأكثر حساسية جاءت عام 1792، حين أُعلنت الجمهورية بينما كانت الثورة تحاكم الملك، وتخوض حرباً مع النمسا وبروسيا، وضدّ تمرّدات إقليمية وصراعات داخلية. حينها أُجريت انتخابات عامة للمؤتمر الوطني بمشاركة واسعة من المدن والطبقات الوسطى. لم تنتظر الثورة الهدوء، ولم تتذرَّع بالسيادة أولويةً، بل تعمّقت المشاركة الشعبية طريقاً لحماية فرنسا الجديدة. أمّا دستور 1793، فشكّل النصَّ الأكثر ديمقراطية في تاريخ فرنسا، وربّما في تاريخ العالم آنذاك، وقد صيغ في ذروة حرب أهلية وغزو خارجي. منح الدستور حقَّ الاقتراع العام لجميع الرجال بلا قيود تقريباً، وأقرَّ الحقَّ في الانتفاض على الظلم، وحقوقاً اجتماعيةً غير مسبوقة بمقاييس ذلك العصر، من حقّ العمل إلى التعليم والمساعدة الاجتماعية. ورغم أن تطبيقه أُرجئ بسبب "عهد الإرهاب"، فقد أُقرَّ عبر استفتاء شعبي واسع، ولم تتوقَّف انتخابات البلديات والمجالس المحلّية واللجان الشعبية، وحظيت فرنسا بصحافة زاهرة.
أقرّت الثورة الفرنسية الحقوق وهي محاصَرةٌ، وسّعت المشاركة وهي مفككةٌ عسكرياً، ووضعت دساتير وهي مهدّدةٌ بالغزو، فانتصرت في معظم حروبها الخارجية، فكانت الديمقراطية أداةً للاستقرار وبناء الشرعية، لا ترفاً مؤجَّلاً. هل يُفترض بالسوريين أن ينتظروا تحرير الجولان (وجبل الشيخ ومناطق أخرى احتلتها إسرائيل بعد سقوط الأسد)، وانسحاب القوى الأجنبية وتفكيك المليشيات، ثمّ تبدّل ميزان القوة الإقليمي (وربّما الداخلي)؟ إن بقيت الديمقراطية رهينة أحداث خارجية لا يتحكَّم بها السوريون، فقد لا يرونها لعقود طويلة مقبلة.
لم يكن فقدان السيادة في سورية نتيجة نقص السيطرة العسكرية فقط، بل أيضاً (ونأمل ألا يبقى كذلك) نتيجةً حتميةً لانهيار العَقد الاجتماعي وغياب المشاركة في القرار السياسي. فالسيادة التي لا تنبع من الشعب لن تستطيع الدفاع عن الأرض ولا عن المجتمع. التجارب المتراكمة، من فرنسا إلى أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، تقول إن الأمم التي انتظرت طويلاً لم تصل إلى الديمقراطية، بينما تلك التي مارستها في قلب المحنة هي التي بنت دولاً قوية. ولا يحتاج السوريون اليوم إلى سلطة تمسك بالخريطة، بقدر حاجتهم إلى دولة تمثّلهم عبر صناديق الاقتراع، لا عبر عقلية القبيلة.
لا يكتفي المستشار زيدان بليِّ عنق التاريخ، ولا يضع العربة أمام الحصان مؤجِّلاً الديمقراطية لمصلحة السيادة. بل أكثر من ذلك، إنه يضع العربة السورية من دون حصان أساساً. وإن كان السؤال الجيّد يفضي إلى إجابات صحيحة، فالسؤال اليوم في سورية ليس: هل نؤجّل الديمقراطية إلى ما بعد السيادة؟ بل هل يمكن استعادة السيادة أصلاً من دون ديمقراطية؟ وإلا فأيّ حديث عن السيادة إن هو إلا "ضرب عبث"...