فنزويلا... مسمارٌ آخر في نعش النظام الدولي

08 يناير 2026
+ الخط -

لم يكن الهجوم الأميركي على فنزويلا واختطاف رئيسها، نيكولاس مادورو، ومحاكمته على التراب الأميركي مجرّد مقطع عابر في السياسة الدولية، بقدر ما كان مسماراً آخر في نعش ما يسمى "النظام الدولي". لن تكون الولايات المتحدة بحاجة، بعد الآن، لشمّاعة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان للتغطية على الأهداف الحقيقية من تدخلاتها العسكرية في هذا البلد أو ذاك. لقد أعاد اليمين الأميركي المحافظ، من خلال دونالد ترامب، تعريف السياسة الدولية باعتبارها محصّلة لعلاقات القوة السياسية والعسكرية، عدا ذلك يبقى مجرّد هراءٍ يُلاك في المحافل الدولية.

حين تُنتهك سيادة دولة، عضو في الأمم المتحدة، ويُختطف رئيسها في جنح الظلام، ويُقتاد مكبّلا، هو وزوجته، إلى بلد آخر من أجل محاكمته بتهمة جاهزة، فذلك يعني، من دون مبالغة، أن النظام الدولي يتداعى، وأن الشرعيةَ الدوليةَ، التي يفترض أن الأمم المتحدة تمثلها، باتت في خبر كان، في ظل تآكل مفهوم السيادة الوطنية، أمام تغوّل الولايات المتحدة واستعدادها للتضحية بكل المواثيق والمبادئ التي تؤطّر العلاقات الدولية. لقد وضع الحدث الفنزويلي الأمم المتحدة أمام اختبار عسير آخر، يعيد إلى الواجهة أسئلة مصداقيّتها ومستقبلها، ومبرّر وجودها أصلا، إزاء هذا الانحراف الأميركي المريع عن مبادئها المعلومة. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا: ماذا لو كانت فنزويلا بلداً فقيراً، بلا موارد ولا ثروات، هل كانت الولايات المتحدة ستهاجمها، حتى لو كان رئيسها متورّطاً فعلاً في التجارة الدولية للمخدّرات؟ قطعا لا.

تمتلك فنزويلا مخزوناً هائلا من الثروات والموارد التي تُسيل لعاب الرأسمالية الأميركية العابرة للحدود، فهي تتوفر على أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم واحتياطيٍّ هائلٍ من الغاز الطبيعي، وثروات معدنية ثمينة كالذهب والألومنيوم والكولتان والنحاس وغيرها، تشكّل عصب الجيل الجديد من الصناعات الإلكترونية والعسكرية وغيرها، فضلا عما تمتلكه من أراضٍ فلاحية خصبة وموارد مائية كبيرة.

من هنا، لا ينفصل الهجوم الأميركي على فنزويلا عن صراع الهيمنة والنفوذ في العالم، وتحديداً بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى. تدرك الدولة العميقة في الولايات المتحدة (الشركات العملاقة متعدّدة الجنسيات، المؤسّسات المالية الكبرى، شركات التصنيع العسكري، جماعات الضغط...) أن التمدّد الاقتصادي الصيني يهدّد بحرمان الولايات المتحدة من موارد حيوية بالنسبة لمستقبل صناعاتها. ولذلك، ضرب فنزويلا واختطاف رئيسها وإرباك نظامها السياسي وإحداث حالة من عدم الاستقرار فيها، ذلك كله يستهدف، أولا وأخيراً، الهيمنةَ على هذه الموارد، والتحكّمَ في حركتها داخل الأسواق الدولية، وقطعَ الطريق على المارد الصيني حتى لا يصبح منافسا على أحد أكثر مصادر المعادن أهمية في العالم. وبالنسبة لروسيا، فإن الهجوم على فنزويلا كان رسالة أميركية بضرورة مراجعة موسكو علاقاتها مع كاراكاس، خصوصاً في الشق العسكري؛ إنها رسالة بأبعاد سياسية واقتصادية وجيوسياسية، تعكس مخاوف أميركية من أن يفضي تمدّد الصين ورغبة الروس في نظام دولي متعدّد الأقطاب إلى فقدان الولايات المتحدة حزمة أوراقٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ في خريطة تحالفاتها الإقليمية والدولية.

لا يعكس ما حدث في فنزويلا خيار الرئيس الأميركي بقدر ما يعكس قرار الدولة العميقة في الولايات المتحدة بإعادة تشكيل علاقات القوة والنفوذ في النظام الدولي وفق شبكة المصالح الأميركية الواسعة. وقد كان ترامب واضحاً حين عبّر بصراحة عن هذا القرار قائلا: "إن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا، إلى أن تتم إعادة بناء النظام الاقتصادي والسياسي فيها وفق مصالح واشنطن". يتعلق الأمر بطوْر جديد وغير مسبوق تنعطف إليه الرأسمالية الأميركية بشأن تناقضاتها في أميركا اللاتينية، بالانتقال من دعم حلفائها إلى التدخل المباشر لتغيير أنظمة الحكم وفرض وقائع سياسية واقتصادية جديدة على الأرض.

كشف الحدث الفنزويلي أن السياسة الأميركية كانت بحاجة لخطوة مفصلية وفارقة على غير صعيد، تقفز بها على الاعتبارات القانونية والأخلاقية الدولية، وتعيد توجيه بوصلة المصالح الأميركية في العالم، خصوصاً في المناطق التي تشكل محيطها الإقليمي والجيوسياسي.

95768568-C0E8-4560-9618-6131E931F5D6
محمد أحمد بنّيس

شاعر وكاتب مغربي