فرناندو بيسوا وحلم أن يكون المرء لا شيء
فرناندو بيسوا (ألمدا نيغريروس)
حين يقرّر فرناندو بيسوا، على غير عاداته الشعرية وحتى النثرية، فيقول: "أنا لا شيء. سأبقى لا شيء دوماً، بل إنّني أخفق في أن أتمنى أن أكون لا شيء، ما عدا هذا، فإنّ أعماقي طافحة بأحلام العالم كلّها"، أعرف بدايةً أن بيسوا يكاد يصير الكاتب الوحيد الذي فتح ذراعيه، بغرام ما، لكلّ خسارة أو فقد، حتى إن طفحت أعماقه بأحلام العالم كلّها؛ فهل لغرام بيسوا بالأحلام التي تكون بمثابة هذا (اللاشيء) الذي يتوازى مع الحياة نفسها، ويكون مطوياً داخلنا في شكل حكاية أو كابوس أو مشاهد متقطعة، تمثّلنا، رغم غرابتها، تحكي عنّا ونحن في هلاك البحر، حتى إن لم نرَ البحر طوال أعمارنا، هذا اللاشيء الكامن في الحلم كان هو هوس بيسوا، حتى اشتاق أن يكونه.
ما غرام بيسوا بنقيض الذات حينما تهفو حالمة إلى تحطيم حتى الذات معنوياً، حتى تتحوّل إلى لا شيء، أعرف أنّ بيسوا كان دائماً ضدّ المعنى في الفلسفة والحياة والشعر والنثر، رغم أنّه أقام معماراً هشّاً لهذا "اللامعنى"، وإلا لما كان قد أصرّ على الكتابة طيلة سنواته، كتابة أحلامه، أو هوسه بالمروق من أيّ معنى كان، ورغم ذلك يبحث دائماً عن معنى نقيض، معنى يضمره، معنى هناك، معنى من صلب دمار المعنى. وكأنّ كتابات بيسوا كانت من مادّة أحلامه، رغم معارفه وقراءاته التي تظهر واضحةً، إلا أنّه كان مغرماً بدفن كلّ معنى في ثنايا كتاباته، بالطبع، هذا لا يتم لديه بحيلة فنّية أو رمزية أو أيّ حيلة من كلّ تلك الحيل، كانت حيل بيسوا في الكتابة مبرأة من أيّ حيلة كانت، كان بلا حيلة، وكلّ حيله عارية، كانت حيلته في داخله هو، كمن قرّر ألا يصطاد أيّ شيء، فكان صيده أجمل بكثير من كلّ ما تمنّاه. كان بيسوا يسعى هناك، وكأنّه قد خاصم كلّ ما يعرفه، كي يُمسك خيوط أحلامه ويلعب معها من دون هدف، فأصاب هدفه من دون أن يخطّط ذلك. عبر الحلم يحاول دائماً بيسوا أن يهرب من ذلك "العصر الفلزي البربري" على حدّ تعبيره هو، كي يلتمس تلك الشمس التي ستكون "له وحده"، إلا أنّ "السماء دائماً قصية والحياة أجنبية دائماً"، كما قال. ويتشكّك في كلّ معنى يصل إليه بقوله: "جائز أن يكون الوهم دليلنا في هذه الحياة، غير أنّ الوعي بالذات ليس قطعاً دليلنا".
كان يسعى هناك بجانب كلّ فقد وبجانب كلّ خسران، وحده الحلم هو ذلك الخيط الذي يربطه بتلك السماء. صوفيٌّ لم يمسك بأيّ يقين، صوفيٌّ خان صوفيَّته، وخان أيضاً سعي الآخرين وسعي نفسه أيضاً، كي يظلّ هكذا، لأنّ الحياة بالنسبة إليه "أجنبية".
وفي نصّ من كتابه "اللاطمأنينة" بعنوان "في الحلم"، يلتمس طريقه "إن كان له ذلك الطريق" عبر الكسل: "الكسل يكفّر عن كلّ شيء. عدم قيامنا بأيّ شيء يهبنا كلّ شيء. التخيّل هو كلّ شيء، طالما أنّه لا شيء يجبرنا على الفعل. لا أحد باستطاعته أن يكون ملكاً للعالم سوى في الأحلام". فهل لذلك يتعذّب الطغاة في العالم بصناعة كلّ حرب؟ هل لذلك وصل بيسوا إلى الإمساك بذلك اللاشيء الذي حيّر هؤلاء الطغاة جميعاً؟ إلا أنّ بيسوا رغم ذلك كلّه، وفي شبه تقرير غير معهود عنده، يكمل فقرته السابقة بقوله: "وكل واحد منّا، لو عرف نفسه حقّ المعرفة، راغبٌ في أن يكون ملكاً على العالم"، ثم يكمل: "عدم التفكير هو العرش، وعدم الرغبة هو التاج. نحن نتملّك ما نتنازل عنه، لأنّنا، بالحلم، نحافظ عليه، كاملاً غير ملموس". حتى يصل إلى قمّة صعبة الإمساك أو حتى صعب تلمّسها في نصّه التالي لنصّ "في الحلم" وهو "غايات": "ينبغي أن تكون شخصيتنا محصّنةً يتعذّر النفاذ إليها، حتى من لدنا نحن: من هنا واجب إدماننا الحلم على الدوام، وانضوائنا في عوالم أحلامنا، كيما لا يكون بإمكاننا امتلاك آراء حول أنفسنا".
هل نحن أعداء أنفسنا إلى هذا الحدّ؟ ودعنا من عداوات الآخرين، أو جيوشهم، أو قنابلهم، فقط أنفسنا. فأيّ قمّة مدبّبة للذات وقف فوقها بيسوا سنواته القليلة تلك، وكتب ذلك بيقين يسير، ثم مشى، تاركاً لنا الشمس والسماء والعالم، وقد احتفظ فقط بأوراق في خزائن لم يكن يقصد من ورائها أيّ مجد كان أو يكون.