غيابٌ أكثر حضوراً
(خوان ميرو)
تتفاوت أعمار الناس، وتتفاوت معها الحكايات التي يتركونها خلفهم. هناك من يغيب فلا يشعر أحدٌ بفراغه إلا أفراد عائلته، وهناك من يرحل فتتسع دائرة الغياب حتّى تبدو المدن أقلّ امتلاءً، وكأنّ شيئاً من معناها انسحب معها. وبين الحالتَين يكمن السرّ كلّه: فالعمر رقمٌ في سجلّ الحياة، أمّا الأثر فهو السيرة التي تواصل المشي بعد توقّف الخطوات.
كم مرّة سمعنا اسم شخصٍ رحل منذ سنوات طويلة، فإذا بالوجوه تبتسم تلقائياً، وإذا بالدعاء يسبق الحديث عنه، وإذا بالذكريات تتدافع كما لو أنّها حدثت أمس. لا أحد يُحصي في تلك اللحظة سنوات عمره، ولا مقدار ما امتلك، ولا عدد المناصب التي تقلَّدها، وإنّما يتذكّر الناس كيف كان معهم، وكيف عبر في حياتهم، وما الذي تركه في قلوبهم قبل أن يتركه في دفاتر التاريخ. وهنا تتجلّى القيمة الحقيقية للحياة، حين يصبح الاسم مرادفاً لخُلُق جميل، أو موقف نبيل، أو كلمة أنقذت روحاً من اليأس، أو يد امتدّت في وقت كان الجميع يديرون ظهورهم.
لهذا يبدو سؤال الخلود مختلفاً عمّا اعتدنا تداوله. فالخلود لا يحتاج معجزة، ولا أسطورة، ولا عمراً يتجاوز المائة. يكفي أن ينجح المرء في أن يغادر تاركاً خلفه أثراً يصعب محوه. فبعض الأعمار القصيرة كانت أوسع حضوراً من أعمار امتدّت عقوداً لأنّ أصحابها عرفوا كيف يعيشون بصدق، وكيف يوزّعون خيرهم من غير حساباتٍ ضيّقة، وكيف يرحلون من غير أن يأخذوا معهم كلّ ما منحوه للآخرين.
ولعلّ أكثر ما يكشف قيمة الأثر، طريقة الناس في استدعاء الغائبين. فهناك أسماء لا تُذكر إلا مقرونةً بالحسرة على ما فعلته بأصحابها وبمن حولها، وهناك أسماء تتحوّل مناسبة للامتنان. وما بين الحسرة والامتنان تختصر الحياة امتحانها كلّه. فالإنسان يكتب سيرته اليومية من خلال التفاصيل الصغيرة التي قد يظنها عابرةً، بينما هي في الحقيقة اللبنات التي سيبني الآخرون منها صورته بعد الرحيل. كلمة قاسية قد تبقى في الذاكرة سنواتٍ، وكلمة حانية قد ترافق صاحبها إلى قبره ثم تواصل العيش بعده.
ولهذا أيضاً لا يصنع الأثر أصحاب الشهرة وحدهم. كم من معلّم لا يعرفه إلا طلابه، وما زالت دعواتهم تلاحقه بعد غيابه! وكم من أمّ لم تكتب كتاباً، ولم تعتلِ منبراً، ولم تظهر أمام عدسات الكاميرات، ومع ذلك، بقيت حيّةً في كلّ خُلُق حَسن غرسته في أبنائها! وكم من طبيبٍ حمل قلباً رحيماً أكثر ممّا حمل شهادة، وكم من موظّف بسيط فتح باباً مغلقاً أمام محتاج، وكم من جار خفّف عن جاره قسوة الأيّام، فصار ذكره يبعث الطمأنينة كلّما تردّد اسمه!
ولأنّ الأثر لا يُشترى، فإنّه يبدأ من الخيارات اليومية التي تبدو عاديةً. يبدأ من طريقة الحديث، ومن احترام الناس، ومن الوفاء بالوعود، ومن الاعتراف بالفضل، ومن القدرة على الاعتذار حين نخطئ، ومن الامتناع عن إيذاء الآخرين حتّى حين نملك القدرة على ذلك. هذه التصرّفات الصغيرة تتراكم عاماً بعد عام، حتّى تتحوّل سيرةً كاملة. وعندما يأتي يوم الغياب، يكون الناس قد أنهوا كتابة الفصل الأخير من هذه السيرة من خلال ما عاشوه مع صاحبها، لا من خلال ما قاله هو عن نفسه.
وقد يكون أجمل ما في الأثر أنّه لا يحتاج إعلاناً، فالذين يسعون خلف المجد الشخصي يكتشفون متأخّرين أنّ السمعة لا تُبنى بالحديث عنها، وإنّما بما يراه الناس ويختبرونه. وكلّ محاولة لتجميل الصورة من الخارج تبقى هشّةً إذا لم يسندها جوهر حقيقي. أمّا السيرة الطيّبة، فإنّها تجد طريقها وحدها إلى القلوب، وتنتقل من جيلٍ إلى آخر كما تنتقل الحكايات الجميلة، من غير وسيط، ومن غير ضجيج الدعاية.
من المؤلم أنّ بعض الناس يقضون سنوات طويلة في جمع ما يظنّون أنّه سيحفظ أسماءهم، ثمّ يكتشف الزمن أنّ ما جمعوه تفرّق سريعاً، بينما بقيت عبارة لطيفة قالوها ذات يوم، أو موقف كريم اتخذوه في لحظة صعبة، أكثر رسوخاً من كلّ ما امتلكوه، فالذاكرة البشرية عادلة على نحو مدهش؛ فهي لا تحتفظ بما كان لامعاً فحسب، وإنّما تحتفظ بما كان صادقاً أيضاً.
وحين نتأمّل سير العظماء، وسير الآباء والأمّهات، وسير الأصدقاء الذين سبقونا، ندرك أنّ الحياة كانت تمنحهم كلّ يوم فرصةً جديدةً لكتابة أثرهم. بعضهم أحسن استثمارها، وبعضهم انشغل بأشياء استهلكها الزمن سريعاً. وما يبقى في النهاية هو ما أضيف إلى حياة الآخرين من خير، وما أُضيء في طرقهم من أمل، وما زُرع في قلوبهم من محبّة.
لهذا، أجمل ما يمكن أن يطمح إليه الإنسان ألّا يطول عمره فحسب، وإنّما أن يظلّ اسمه عابراً للسنوات، وأن يمرّ على الألسنة بعد الغياب كما كان في الحضور، محبّةً، ودعاءً، وامتناناً. فذلك هو العمر الذي لا تقيسه السنوات، وإنّما تقيسه القلوب.