غزّة مختبر لقتل الصحافيين والإفلات من العقاب
بعد عامين على ما تصفه عديد من منظّمات حقوق الإنسان إبادةً جماعيةً ترتكبها إسرائيل في غزّة، لا تكفي لغة الأرقام لوصف ما يحدث، لكنّها تقول كثيراً: قتلت إسرائيل أكثر من 233 صحافياً وموظّفاً إعلامياً في الشرق الأوسط. بينهم 193 فلسطينياً وستة لبنانيين وثلاثة إيرانيين و31 يمنياً، في أكبر حصيلة موثّقة في حربٍ واحدة منذ بدأت لجنة حماية الصحافيين (CPJ) التوثيق عام 1992. لكن خلف هذه الأرقام هناك ما هو أخطر: ما يجري في غزّة ليس مجرّد "صراع عسكري"، بل حملة ممنهجة لاستهداف الإعلام وحجب الحقيقة عن العالم.
تقتل إسرائيل الصحافيين في المنطقة من دون حسيب أو رقيب، وتستهدف الصحافيين الفلسطينيين بشكل خاص، بينما تمنع الإعلام الدولي من دخول غزّة، ليس لأسبابٍ "أمنية" كما تدّعي، ولا بسبب "أخطاء عرضية"، بل ضمن محاولة طمس الواقع ومنع أيّ توثيق مستقلّ لجرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزّة. كل الحجج التي تروّجها إسرائيل، سواء من ادّعاء "القتل الخطأ" أو "الانتماء إلى جماعات مسلّحة"، تنهار أمام منطق واحد: القتل ليس عرضياً ولا عشوائياً، والتُهم التي تُقدمها لا تستند إلى أيّ دليل قانوني، أمّا منع المراسلين الدوليين من دخول غزّة بحجّة "حمايتهم"، فمجرّد ذريعة واهية لإغلاق الفضاء الإعلامي واحتكار السردية.
بتنا تحت "استعمار" إعلامي يعيد إنتاج مفهوم الهيمنة والاستعمار من خلال الإعلام والرصاصة معاً
اليوم، أصبحت المعادلة واضحةً، سواء قرّر المجتمع الدولي أن يرى الحقيقة أم أصرّ على البقاء في الظلام، وألا يُسمّي الأشياء بمسمّياتها الواقعية، فإن الحقيقة تبقى صادمةً وموثّقةً: لم يعد الصحافي الفلسطيني مجرّد ناقل خبر، بل شاهد عيان ينقل صورة الحرب التي يعيشها ويُقتل فيها، ما يجعل رسالته أقوى وأكثر مصداقيةً، لكنّه يحمل عبئاً (نفسياً وإنسانياً) هائلاً. ... بات الصحافي في المنطقة معرّضاً للقتل ثمناً لعمله الصحافي. وخلال عامين، نجحت إسرائيل في تحقيق هدفٍ واحد هو تطبيع قتل الصحافيين بلا عقاب. تعيد هذه المعادلة تعريف مهنة الصحافة في مناطق النزاع والحروب. أصبح استهداف الصحافيين سياسةً ممنهجةً، ومنع الصحافة الدولية من التغطية الإعلامية أداةً لإسكات الشهود وطمس الحقيقة، والأرقام الموثقة تثبت أن ما يحصل ليس مجرّد إخفاقات عابرة للقصف، بل خطّة متكاملة لدفن الحقيقة وقطع شريان الذاكرة واحتكار الراوية الرسمية.
يقيم هذا الواقع الجديد اختباراً أخلاقياً وقانونياً لمؤسّسات الإعلام الدولية: هل يمكن للإعلام الدولي أن يظلّ صامداً من دون التزام حقيقي بالمساءلة، ومن دون جهد حقيقي في الدفاع عن زملائهم الصحافيين في غزّة؟ وإلا سيصبح الصمت جزءاً من سياسة الإفلات من العقاب. للأسف، ما شهدناه في العامين الماضيين أن الإعلام الدولي أصبح رهينةً للرواية الرسمية، ومتردّداً، بل خائفاً في أحيانٍ كثيرة، من تحدّي هذه الرواية، فبتنا تحت "استعمار" إعلامي يعيد إنتاج مفهوم الهيمنة والاستعمار من خلال الإعلام والرصاصة معاً. هذا الصمت والحياد ليسا بريئَين، إنهما تواطؤ ومشاركة غير مباشرة في الجريمة، يضعان العالم أمام اختبار صعب تجاه إنسانيته ومصداقيته. اختبارٌ يبدو أن العالم فشل فيه.
غزّة مختبر لقياس حدود ما يمكن لدولة أن تفعله بلا محاسبة
نحن نشهد اليوم إعادة تعريفٍ للقانون الدولي، عملياً. قتل صحافيين بالعشرات من دون مساءلة، يجعل من القوانين الدولية حبراً على ورق، وليست حدوداً فعلية للسلطة العسكرية. هذه السياسة تعيد صياغة ما يعنيه أن يكون الصحافي مدنياً ومحمياً بموجب القانون، وتجعل من القانون الدولي في النزاعات الحديثة مجرّد نصوص ضعيفة أمام القوة العسكرية. ما يحدث في غزّة ليس فلسطيني الصبغة فقط، بل يحمل رسالة تحذيرية لكلّ الصحافيين في العالم، إذا استطاعت دولة واحدة أن تقتل أكثر من 200 صحافي من دون مساءلة، ستصبح حرية الصحافة رهينةً لأيّ قوة عسكرية، والغموض الدولي بشأن الحماية يجعل من الصحافة العالمية ضعيفة أمام أيّ نزاع مستقبلي.
لم تعد غزّة اليوم مقبرةً للمدنيين، ومن بينهم الصحافيون، وحسب، بل مختبراً دولياً لقياس حدود ما يمكن لدولة واحدة أن تفعله من دون محاسبة. إسرائيل لم تستهدف الصحافة مصادفةً، بل أرادت أن تثبت أنها قادرة على فعل ذلك من دون أيّ تحقيق جدّي أو محاسبة، وهذا ليس استثناءً، بل سابقة خطيرة، قد تُستنسخ في نزاعات أخرى. إذا استمر العالم في صمته، فإن مستقبل الصحافة، في العالم، وليس فقط في العالم العربي، سيكون أكثر قتامة: خوفٌ متزايد، رقابة ذاتية، تراجع في التغطيات المستقلة، وصحافيون/ات يتردّدون في نقل الحقيقة خشية أن يصبحوا هدفاً. عامان فقط شهدنا فيهما كلّ هذا النزيف. إن لم يتحرّك العالم اليوم، لن تكون غزّة آخر مكان يُمحى فيه الصحافيون، ولن يبقى للحروب والجرائم شهود، وسيكتب التاريخ من طرف واحد. سيطبّع العالم كله مع قتل الصحافيين، وستختفي العدالة الإنسانية والقانونية.