على عبّاس أن يلعب ضدّ نفسه

11 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 02:59 (توقيت القدس)

محمود عبّاس في لندن (8/9/2025 Getty)

+ الخط -

تزداد إسرائيل شراسةً مع اقتراب اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في وقت لاحق من سبتمبر/ أيلول الجاري، حيث من المتوقع أن يشهد العالم أكبر موجة اعتراف بالدولة الفلسطينية، فيصحو الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس من غفوته الطويلة، والتعبير مجازي ليس أكثر، ويكتشف أن ثمّة دوراً يمكن أن يلعبه، وهو يظن أنه محجوزٌ له بقوة الدفع الذاتي باعتباره ممثلاً شرعياً و"وحيداً" للشعب الفلسطيني. وهو ظنٌّ لا تؤكّده الوقائع، فدعك من أن إسرائيل لا تعترف بأي دور للسلطة الفلسطينية في اليوم التالي للعدوان على غزّة، ولا حتى بولاية عبّاس نفسه في الضفة الغربية، فالتخلي الفعلي عن غزّة خلال المقتلة غير المسبوقة والمفتوحة كافٍ للحديث عن أوهام التمثيل التي تراوده.

خاطب عبّاس، في أغسطس/ آب 2024، البرلمان التركي على غير مألوف لغته، وأعلن على الملأ أنه بصدد التوجّه إلى قطاع غزّة ليكون مع شعبه هناك، وهو يعرف أنه مجرّد كلام مرسل على عواهنه لكنه قد يجد من يصفّق له، وقام بذلك لإعفاء نفسه من المسؤولية لا للقيام بها، وهذا من مألوف عاداته، بدليل أنه طالب مجلس الأمن بتأمين زيارته الموعودة إلى غزّة، وهو يعرف، أكثر من غيره، أن هذا المجلس لا يستطيع إجبار إسرائيل على السماح بدخول الأمين العام للأمم المتحدة نفسه إلى قطاع غزّة، لا هو ولا رئيس الوزراء الإسباني ولا حتى أي صحافي أميركي يعمل في "فوكس نيوز".

ليس المقصود هنا الهجوم على عبّاس، بل التأشير إلى أنه أصبح خارج السياق، بينما يظنّ أنه في قلبه، فيكفي أن ينتهي العدوان وتنسحب حركة حماس من المشهد، حتى يتقدّم هو إلى صدارته، وهذا وهمٌ آخر يُضاف إلى سلسلة أوهامه، فلو أراد فعلاً أن يكون في قلب المشهد فعليه أن يكون ضد نفسه وخطابه الذي لا يتغيّر منذ عقود. لكنه يفعل كل شيء إلا المطلوب منه قائداً للفلسطينيين، فبدلاً من استثمار زيارته إلى لندن لتعظيم مكاسب شعبه يقوم بخلاف ذلك، متحدّثاً عن انتخابات بعد عام (!) من انتهاء العدوان، وعن سحب سلاح "حماس" وخروجها من المشهد، وهو ما يعرف عبّاس أنه ليس صاحب القرار فيه، ولا الفضل في التوصّل إليه، فـ"حماس" نفسها أعلنت مراراً أنها ستتخلى عن السلطة بعد وقف العدوان.

كان بإمكانه استثمار وجوده في لندن لتعميق التعارض الآخذ في الاتساع بين إسرائيل وبريطانيا وفرنسا وكندا وسواها من دولٍ غربية، بأن يحرّض ويتبنّى رواية شعبه لا مطالب إسرائيل التي تتزايد ولا تلحظ حتى دوراً صغيراً له هو نفسه في اليوم التالي. ... فما الذي كان يمنعه من تذكير العالم بأن إدارة ترامب رفضت منحه ووفده المرافق تأشيرات دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والدعوة إلى نقل الجلسات إلى أي مدينة أخرى، لندن مثلاً، خصوصاً أنها ستشهد الاعترافات بالدولة الفلسطينية، فكيف تسمح هذه الدول بذلك بينما يُمنع من يفترض أنه رئيس هذه الدولة من حضور هذه الاجتماعات؟

لمَ لا يقول ذلك جهراً حتى مع علمنا بتعذّر ذلك، فهذا دورُه، لا أن يقبل بكل سقف ينخفض ويتأقلم معه، فرفع سقف مطالبه لا يخصّه، بل شأن وطني جامع، أما أن يقوم بدور التلميذ المطيع للمجتمع الدولي فتلك إهانة ليس له فقط بل لشعبه أيضاً.

فشل عباس للأسف حتى في أن يكون "ظاهرة صوتية" خشية التعرّض للضرب بالمسطرة في إسطبل المجتمع الدولي، كأن يتحدّث عن المجازر في غزّة، ويسهب، كأن يتحدّث عن هذه العاصفة الشعبية في العالم كله ضد إسرائيل، من شوارع لندن إلى مهرجان البندقية السينمائي مروراً بالأساطيل التي تتوجّه إلى غزة، لإغاثتها في الحد الأدنى وتحدّي إسرائيل، وعن عزلة تل أبيب الدولية من لندن إلى كانبيرا، لكنّ عبّاس لم يفعل ذلك لأنه لا يعرف متطلبات دوره المفترض والحقيقي، ولا يتمثّل روح شعبه التوّاقة للتحرّر، بل يعرف دوراً آخر يقوم على الطاعة والالتزام بما يُطلب منه، وخصوصاً بأي بند يُطلب من "حماس"، كأنه في صف واحد مع القائمين على كسر الروح الفلسطينية وإهانتها ودفعها للهزيمة من دون أي مقابل على الإطلاق.

زياد بركات
زياد بركات
قاص وروائي وصحفي فلسطيني/ أردني، عمل محررا وكاتبا في الصحافتين، الأردنية والقطرية، وصحفيا ومعدّا للبرامج في قناة الجزيرة.