عام من الحرّية في سورية
سوريون يحتفلون في ساحة الأمويين في دمشق بالعيد الأول لرحيل الأسد (8/12/2025 Getty)
عامٌ على سقوط نظام بشار الأسد ليس وقتاً عاديّاً في حساب أعمار السوريين. هو نهاية زمن، وبداية آخر. رحلت حقبة سوداء مديدة تجاوزت نصف قرن من حكم مافيا عائلة الأسد، خُرِّبت خلالها البلاد، ونُهبت ثرواتها. وحين اقتربت ساعة النهاية، فرّت إلى الخارج، تاركةً خلفها دماراً هائلاً في العمران والبنى التحتية، ومجتمعاً يعاني أوضاعاً اقتصاديةً صعبةً، وآلاماً شديدةً نتيجة التنكيل والقهر والسجون ومخابر التعذيب والقتل والمقابر الجماعية، والأسلحة الكيميائية، حتى تجاوزت حصيلة ضحايا مرحلة ما بعد ثورة عام 2011 قرابة مليون بين قتيل ومختفٍ قسرياً، ونحو عشرة ملايين مُهجَّر في الداخل والخارج.
تكلّلت تضحيات السوريين بالخلاص من نظام الجريمة الذي أحال ثورة عام 2011 (السلمية) إلى مذابح مُتنقِّلة. وفرح الناس بتحقيق حلم نهاية الكابوس الطويل، والخروج من السجن الكبير إلى الهواء الطلق، وبدأوا يتلمّسون طريق حياة جديدة، محطّتها الأولى استعادة بلدهم المخطوف (والمحتلّ) من إيران وروسيا، حارستَي نظام الأسد. وقد عاش السوريون عاماً استثنائياً، فصلهم عن عقود من الخوف، إلا أن حريتهم لم تكتمل بعد، وذلك يتطلّب تحقيق إنجازات ملموسة على صعيد وقف الخطر الإسرائيلي الزاحف، وريث الأبد الأسدي، وتخفيف حدّة الاحتقان الداخلي ذي الآثار التدميرية. وينتظر سورية في العام الجديد انطلاق مشروع إعادة الإعمار، وتحقيق السلم الأهلي، وهما مهمّتان عاجلتان وعلى درجة وثيقة بعضهما ببعض. لا يمكن أن تنهض حركة بناء ما دمّرته حرب الأسد على أسس راسخة، من دون أن تبسط الدولة سلطتها على الجنوب والشرق، حيث تتقاطع التهديدات والتوغّلات الإسرائيلية مع استمرار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) رفض الاندماج في مؤسّسات الدولة، وبسط يدها على ثروات الجزيرة، وتمترسها وراء مطلب الفيدرالية، والتنسيق مع أطراف انفصالية في السويداء والساحل.
في الأحوال كافّة، ليس بوسع السلطة أن تنهض بمهامها من دون التفاف المجتمع حولها، وتحمّله جزءاً أساسياً من المسؤولية والأعباء، لأنها تسلّمت بلداً مُدمَّراً، وخزينةً فارغةً، وبدأت من الصفر. ورغم ذلك، هناك من يطالبها بتقديم الحدّ الأقصى، في حين أنها لا تمتلك الإمكانات الكافية. وهذا لا يعني منحها الفرصة تلو الأخرى من دون قيد أو شرط أو محاسبة، ما يحتّم على قوى المعارضة السياسية، ومؤسّسات المجتمع المدني والنقابات، ووسائل الإعلام المستقلّة، لعب دور بنّاء من أجل تحصين إنجاز إسقاط النظام، وعدم التفريط به، لأن ذلك يقود إلى انتكاسة قاتلة، بسبب هشاشة حال البلد، الذي تهدّد وحدته مشاريع تقسيمية.
انتصرت الثورة، ولكن المُتضرِّرين منها كثر، ومن الواضح والبديهي أنهم لن يتركوها تتقدّم بسلام، وسيعملون بوسائل كثيرة لإفشالها، وفي رأس هؤلاء إسرائيل التي تمتلك أدوات كثيرة للتأثير، ما يثير مخاوف من أن تنتكس سورية إلى حال أكثر سوءاً من التي كانت عليها قبل عام. وبعض الهواجس يجد مبرّراته في التهديدات الإسرائيلية والصعوبات الاقتصادية التي تتفاقم، بدلاً من أن تتراجع، في ظلّ عدم قدرة الدولة على إزالة الدمار، وإعادة الإعمار من أجل عودة ملايين اللاجئين، وتأمين الخدمات والمدارس.
تعاني سورية من المصاعب أعلاه، التي تقف في طريق تحقيق الثورة الأهداف التي انطلقت من أجلها: الحرية والكرامة والتنمية وبسط السيادة. ولكن الثمن الكبير الذي دفعه الشعب السوري كفيل بأن يحمي البلد من الهزّات الكبيرة. لقد انتهت المخاوف من انحراف الثورة عن مسارها، أو فشلها، أو تراجعها، أو تحوّلها إلى حرب أهلية. قطعت أكثر الطرقات وعورةً وصعوبةً، واجتازت عدّة امتحانات قاسية. قد تواجه مطبّات في طريقها، لكنّها لن تقف قبل أن تحقّق العدالة والمساواة والحرية لجميع السوريين.