شايلوك حتّى الآن
شايلوك يتحدث في مشهد من "تاجر البندقية" في لوحة لروبرت دادلي نشرت في لندن عام 1890 (Getty)
في مسرحيته "تاجر البندقية"، يمنح شكسبير شخصيةَ شايلوك تاريخاً من الإهانة يكفي لجعل غضبه مفهوماً. هو اليهودي الذي اعتاد أن يُحتقَر بسبب أصله ودينه، وأن يتلقّى الإهانة في الفضاء العام بوصفها جزءاً مألوفاً من موقعه الاجتماعي. ويسأل شايلوك: "أليس لليهودي عينان؟"، في محاولة لانتزاع إنسانيته من تصنيف جعلها موضع شكّ. لهذا يصعب فصل رغبته في الانتقام عن التجربة التي صنعتها. ورطل اللحم الذي يطالب به من جسد أنطونيو لم يظهر من فراغ؛ فوراءه ذاكرة طويلة من الإذلال. يضعنا شكسبير أمام مشكلة تتجاوز المسرحية. فالمعاناة قادرة على تفسير المسار الذي يقود الإنسان إلى فعلٍ ما، من دون أن تُحسم القيمة الأخلاقية لذلك الفعل. ثمّة مسافة دقيقة بين معرفة منشأ العنف ومنحه المشروعية.
تبدو كلمة "ضحية" في الاستعمال العام أقرب إلى صفة تلتصق بالإنسان منها إلى وصف لعلاقة حدثت في زمن محدّد. غير أنّ الضحية، من منظور اجتماعي، ليست جوهراً ثابتاً في الشخص أو الجماعة. إنّها موقع داخل علاقة قوّة، ينشأ حين يملك إنسان القدرة على إيقاع الأذى بإنسان آخر. وحين تتغيّر هذه العلاقة، تبقى المظلومية واقعةً حقيقيةً في سيرة صاحبها، وتبقى آثارها جزءاً من تكوينه وذاكرته، من دون أن تتحوّل إلى مصدر دائم للشرعية. وتظهر المشكلة حين يتجاوز أثر الألم حدود التجربة ليصبح جزءاً من عملية إنتاج الهُويّة عبر تعريف الجماعة نفسَها. فالجماعات تبني من الماضي سرديات تحدّد موقعها في العالم وتصوغ صورتها عن نفسها وعن الآخرين. ربّما لهذا بقي شايلوك حيّاً خارج زمن شكسبير.
يكتسب سؤال المظلومية معنى أكثر إلحاحاً في سورية. فقد خلّف أكثر من نصف قرن من حكم الأسد و14 عاماً من الحرب مجتمعاً يحمل طبقات متراكمة من الفقد والسجن والتعذيب والتهجير والإفقار. ملايين السوريين يستطيعون أن يرووا سيراً تجعل كلمة "ضحية" وصفاً دقيقاً لتجربتهم. هذه الوقائع جزء من التاريخ السوري، وستظلّ كذلك مهما تغيّرت السلطة وابتعد الزمن عن لحظة وقوعها. والمظلومية بهذا الفهم لا تنتهي بالضرورة بانتهاء الظروف التي أنتجتها، لأنّها قد تتحوّل مع الزمن إلى طريقة يرى بها الإنسان نفسه والعالم المحيط به. ومن عاش طويلاً بوصفه موضوعاً للقهر قد يحمل هذا الموقع معه حتّى بعد زوال الظروف التي وضعته فيه، لأنّ التجربة لا تحفظ الوقائع وحدها؛ إنّها تعيد تشكيل معنى الخوف والاستحقاق والمسؤولية. وفي هذه النقطة تحديداً يظهر أحد أكثر آثار العنف تعقيداً، وهو قدرة الماضي على الاستمرار في الحاضر حتّى بعد زوال كثير من شروطه الأصلية. ويصبح هذا الأثر أشدّ وضوحاً عندما تتكوّن حول المعاناة هُويّة جمعية. فالضحايا يحتاجون إلى سرد ما جرى لهم، وإلى أن يُعترف بتجربتهم التي تعرّضت طويلاً للإنكار. غير أنّ السردية التي تحفظ التجربة قد تمنح أصحابها مع مرور الزمن موقعاً أخلاقياً يتجاوز حدود الواقعة التي نشأ منها. وحين يحدث ذلك تتغيّر وظيفة كلمة "ضحية" نفسها. فهي تبدأ بتوصيف ما تعرّض له الإنسان، ثمّ تصبح تدريجيّاً جزءاً من تعريف الإنسان لنفسه، وقد تنتهي إلى معيار يقرأ من خلاله الإنسان أفعاله اللاحقة ويبرّرها حتّى لو كانت جرائم. لهذا، لا تنتج المعاناة بالضرورة حساسيةً أكبرَ تجاه آلام الآخرين. قد توسّع التجربة قدرة الإنسان على التعاطف، وقد تجعله أكثر التصاقاً بألمه وأشدّ استعداداً لقراءة العالم من خلاله. وفي الحالتين، تظلّ التجربة نفسها عاجزةً عن منح صاحبها أفضليةً أخلاقيةً مستقلّةً عن أفعاله. فليس في الألم ما يجعل مَن اختبره أقدر تلقائياً على معرفة الخير، كما أنّ الجرح لا يحمل نظريةً في الأخلاق. ويبقى السؤال عمّا يصنعه الإنسان من تجربته مفتوحاً على اختياراته وعلى الثقافة السياسية والاجتماعية التي تمنح تلك التجربة معناها.
بعد أربعة قرون، يعيدنا هذا كلّه إلى شايلوك، وإلى رطل اللحم الذي طلبه. كان شكسبير كريماً معه في تفسير غضبه؛ جعله يتكلّم عن الإهانة بلسان يجعل القارئ قادراً على فهم الطريق الذي أوصله إلى الانتقام، ثمّ تركه أمام أنطونيو مطالباً بلحم إنسان آخر. في تلك اللحظة، يصبح تاريخ شايلوك حاضراً في فهمنا له، وربّما لهذا بقيت الشخصية قادرةً على إزعاجنا حتّى اليوم: لأنّها تضع أمامنا حقيقةً يصعب قبولها، وهي أنّ الإنسان يستطيع أن يكون صادقاً تماماً حين يروي الظلم الذي وقع عليه، ثمّ يحتاج إلى معيار آخر عندما يأتي دوره في تفسير ما فعله.