سورية الجديدة ومؤقِّت الثورة
ثمّة عجزٌ عميق في التواصل السياسي بين السوريين، فالنزوع إلى الانحدار نحو مواقف متطرّفة، تأييداً أو معارضة، يتزايد من دون ضوابط وطنية. وما زلنا خارج مناخٍ دستوري يسمح بولادة الأحزاب، ويمنح الإعلام المستقلّ مساحة للعمل، ويؤسّس لمحاسبة السياسات والإخفاقات، ويُخضع الحكومة للمساءلة عن مشروعها، وهو مشروعٌ يبدو مفتقراً إلى التشاركية، ومائلاً إلى إدارة أحادية تُقدَّم ضرورة أكثر منها خياراً. وبما أنّ أصل هذا التحوّل في سورية هو الثورة، فلا بدّ من التوقّف أمام سنوات الصراع في المجتمع وفي جبهات القتال، إذ ينظر السوريون إلى بعضهم بعضاً من موقع حيرة مزمنة؛ بين تأييد سلوكيات الزعامات العسكرية والسياسية أو معارضتها. كانت القوة كثيراً ما تسبق الحقيقة، وكان الولاء أحياناً أسهل من الانحياز إلى المبدأ. ومن هذه الحيرة وُلد خلافٌ لم تنضج معه، في المخيّلة السورية، صورة الثورة بوصفها حركة جماعية لتحرير البلاد وصناعة معنى سياسي يتحدّث باسم الجميع. وكان الخلاف، في جوهره، حول السؤال الذي تهرّبنا منه طويلاً: أي فكرٍ تريد الثورة أن تحمله؟ واليوم، بعد سقوط نظام الأسد، يعود السؤال بصيغة أشدّ قسوة: بمن نستضيء؟ وبأي معيارٍ سنقيس "سورية الجديدة"؟
استدعاء الثورة وتجميد السياسة يظهران ذهنية الفصيل أكثر ممّا يظهران الدولة
لا يوحي ما يحدث في سورية بأنّ هذا السؤال قد حُسم، بل يوحي بالعكس تماماً. فإعادة تدوير واسعة تجري أمام السوريين؛ تسويات مع دولٍ أرسلت طائراتها إلى الحرب وقتلت سوريين؛ تسويات مع شخصيات اقتصادية كانت تموّل مليشياتٍ شاركت في القتل، ووجوهٌ ملوّثة تتقدّم اليوم إلى مواقع يُفترض أنّها معنية بالسلم الأهلي أو بإدارة المرحلة الجديدة. تُرى هل لدى الحالة الثورية تفسيرٌ متماسك ووطني لهذا كلّه؟ في الغالب لا. لأنّ الثورة، في واحدة من لحظاتها، لم تعد فقط فعلاً تحرّرياً مفتوحاً على أفقٍ سياسي جديد، بل تحوّلت أيضاً إلى أداة تعبئة استُثمر فيها توحّش نظام الأسد، وانتهاء صلاحيته الإقليمية، لكي يُقدَّم بديلٌ سياسي تتوافق عليه الدول المؤثّرة في الملفّ السوري، ضماناً لعدم انفجار الفوضى، ومحاولة لتوزيع المكاسب ببطءٍ محسوب. وبناءً على ذلك، يمكن فهم لماذا كان "الخارج"، بالنسبة إلى حكّام سورية الجدد، أهمَّ بكثير من الداخل؛ فالماضي ثقيل، والتوازنات الإقليمية ضاغطة، والشرعية تُرسم في العواصم قبل المدن السورية. وفي هذا المعنى، لا يبدو الانتقال الجاري استكمالاً لمسار الثورة بقدر ما يبدو إدارة حذرة لنهايتها، أو بالأحرى ضبطاً مؤقّتاً لها، إلى أن تستقرّ معادلة الحُكم.
ولفهم كيف يُدار هذا الضبط، يمكن العودة إلى خطاب السلطة المؤقّتة الحاكمة اليوم في سورية؛ خطابٌ يستدعي جمهورَ الثورة بوصفه كتلة شرعية في الإعلام والفعاليات والتعبئة، ثم يعود ليقول إنّ مرحلة الثورة انتهت، وإنّ الأولوية باتت لبناء الدولة. وظاهرياً، قد يبدو ذلك انتقالاً طبيعياً من الاحتجاج إلى المؤسّسات، لكنّ المفارقة أن تعريف الدولة هنا يُختزل، في كثير من الأحيان، في مفردات الضبط والانضباط واحتواء الفوضى، أكثر ممّا يتّصل بتوسيع السياسة وفتح المجال العام وبناء التمثيل والمساءلة. ما يجعل المركزية تصعد شرطاً للاستقرار، وتُؤجَّل الانتخابات إلى سنواتٍ لاحقة، فيما يكرّس الإعلان الدستوري مرجعية قيمية محدّدة، ويَعِد، في الوقت نفسه، بحقوقٍ وحرّيات. وعند كلّ توتّرٍ عام، تعود السياسة لتُصاغ بلغة أمنية: "محاربة فلول النظام"، "حماية السلم الأهلي"، "لجان تقصّي الحقائق"، ووعود بمحاسبة المتورّطين "مهما كانت صلتهم" بالسلطة، من دون أن يتحوّل شيء من ذلك إلى قواعد مُعلَنة وشفّافة تتيح رقابة مستقلّة، وتضمن حقَّ الاعتراض والتنظيم. هكذا تُستخدم الثورة خزّاناً للشرعية عند الحاجة، فيما يُدعى المجتمع إلى الصمت باسم الدولة عند الحاجة نفسها. وفي هذه المسافة تحديداً، بين استدعاء الثورة وتجميد السياسة، يظهران ذهنية الفصيل أكثر ممّا يظهران الدولة.
تلك الذهنية المبنية على القوة تضع سؤال بنية الجيش والأمن. فمنذ أكثر من خمسة عقود، لم تُبنَ هذه القوة في سورية لحماية البلاد والمواطنين بقدر ما جرى تشكيلها لتثبيت الحكم. ولهذا لا يكفي الحديث عن دولة جديدة ما لم يُفتح، بجدّية، سؤال المؤسّسة العسكرية والأمنية: أي جيش نريد؟ وأي أمن؟ وكيف تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد عقودٍ كان فيها "العدو" الحقيقي، في نظر السلطة، داخل البيت لا عند الحدود؟ في المعنى الطبيعي للدولة، تجمع الاستخبارات معلوماتٍ عن التهديدات الخارجية، وتتحرّك الشؤون الداخلية ضمن قانون وشرطة وقضاء. أمّا في التجربة السورية، فقد انقلبت المعادلة كلّها؛ صارت السياسة ملفّاً أمنياً، وصار المجتمع نفسه موضوعاً للمراقبة والضبط والملاحقة. ومن هنا ترسّخت في الوعي السوري صورة الاستخبارات أداة لكسر المعارضين وردع المجتمع.
وفي السياق، تبرز مشكلة الحرّية في سورية اليوم، وعلى نحوٍ لا يقلّ خطورة. فمَن دعم وعايش وقاتل من أجل الثورة يميل، لدى بعضه، إلى التعامل مع البلاد كأنّها استحقاقٌ حصري، وكأنّ التضحية تمنح حقّاً دائماً في الحكم، أو في تعريف الوطنية، أو في رسم حدود الكلام المسموح. وهذا من أخطر ما يهدّد أي انتقال سياسي بعد الأسد؛ أن تتحوّل الشرعية الثورية إلى رخصة مفتوحة لإقصاء الآخرين، أو إلى سندٍ أخلاقي لتجميد التعدّدية. والحال أنّ الدولة لا تُبنى بهذه الطريقة، ولا تُحمى الثورة أيضاً. فإذا كان مَن دعم الأسدية يوماً سيُعاد إدخاله إلى المجال العام بوصفه مواطناً، لا غنيمة ولا عدواً أبدياً، فمن الطبيعي أن يحتجّ ويفكّر ويعبّر سلمياً عمّا يراه وما يعانيه المجتمع، ما دام ذلك داخل المجال العام وبلا عنف. هذا ليس منّة من أحد، بل حقٌّ تكفله فكرة الدولة نفسها إن كانت دولة بالفعل؛ دولة قانون، لا دولة ولاءات؛ دولة تتّسع للاختلاف، لا سلطة تضعه دائماً تحت الشبهة.
المرحلة الانتقالية في سورية طويلة ومهددَّة بأن تتحوّل إلى صيغة حكم بحدّ ذاتها
لهذا كلّه، تبدو المشكلة اليوم في أنّ المرحلة الانتقالية طويلة ومهددَّة بأن تتحوّل إلى صيغة حكم بحدّ ذاتها. فالسلطة في دمشق تتعامل مع دولة ورثتها كما تركها نظام الأسد؛ منظومة قوانين وقرارات وإدارات متراكمة، كثيرٌ منها ممتدّ من إرثه وما قبله، لكنّ الاكتفاء بإدارة هذا الإرث، أو التباطؤ في مراجعته وتفكيكه، يضعف الانتقال السياسي، ويمدّد اللحظة المعلّقة، ويحوّلها إلى نظام انتظار. ومع الوقت، لا يعود "مؤقِّت الثورة" أداة لتنظيم العبور، بل يصبح بديلاً من العبور نفسه؛ يستهلك شرعية الحكومة الانتقالية، ويقلّص ثقة جمهورها، ويزيد الارتياب في حدود مشروعها ونيّاتها. وعندها، لا تكون المشكلة أنّ الثورة لم تصل إلى الدولة، بل إن السلطة وجدت في هذه المنطقة الرمادية مكاناً مناسباً للحكم؛ لا هي أبقت الثورة حيّة بوصفها أفقاً للتحرّر والتغيير، ولا هي ذهبت إلى الدولة بوصفها عقداً سياسياً جديداً. وهذا، في جوهره، ليس بناءً لسورية الجديدة، بل إدارة مؤقَّتة لولادتها المؤجّلة.