سقط كريم خان فهل تسقط "الجنائية الدولية"؟
قرّرت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية (125 دولة) عزل المدّعي العام للمحكمة، كريم خان، عقب إجراءات تأديبية مرتبطة باتهامات بسوء سلوك جنسي، في جلسة طارئة عُقدت، الجمعة، في مقرّ الأمم المتحدة بنيويورك، في سابقة تجعل من خان أوّل مدّع عام للمحكمة الجنائية يُعزل بهذه الآلية منذ تأسيس المحكمة في عام 2002. ولا يمكن النظر إلى القرار (بعد أن أُوقف خان عن ممارسة مهامّه) بمعزل عن أكثر القضايا حساسيةً أثارها المدّعي العام (السابق): ملاحقة بنيامين نتنياهو بتهم ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، ولم يكن لقرار العزل أن يمرّ بوصفه إدارياً عادياً في مؤسّسة دولية.
قبل عزله، قدّم خان في 20 مايو/ أيّار 2024، إلى الدائرة التمهيدية في المحكمة، طلبات لإصدار مذكّرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير أمنه السابق يوآف غالانت، وقادة من حركة حماس، بعد أشهر من الحرب على غزّة التي شهدت انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. وأصدر قضاة المحكمة بعد مراجعة الأدلّة مذكرتَي التوقيف بحقّ نتنياهو وغالانت في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني، ما جعل المحكمة الجنائية الدولية، وكريم خان شخصياً، يدخلان في مواجهة مع إسرائيل وحلفائها، وفي مقدّمتهم الولايات المتحدة. ومعروف أنّ إسرائيل وأميركا لم تصادقا على "نظام روما الأساسي" (الوثيقة التأسيسية التي وقّعتها الدول الأطراف وتعهّدت فيها بمنع الجرائم وتقديم من يتحمّل المسؤولية إلى العدالة)، على الرغم من توقيعهما عليه في عام 2000. في حينه، انطلقت حملة غير مسبوقة ضدّ المحكمة تضمّنت رفضاً سياسياً للقرار، وتشكيكاً في اختصاص المحكمة، مع أنّ عدم عضوية إسرائيل لا يُلغي، وفق المحكمة، اختصاصها بالنظر في جرائم الحرب المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة استناداً إلى عضوية دولة فلسطين في نظام روما الأساسي. وهدّد ترامب بعقوبات فرضها لاحقاً على كريم خان شخصياً. ذلك كلّه كان رسالةً واضحةً بأنّ الاقتراب من إسرائيل لن يمرّ من دون ثمن.
في هذا السياق، تحديداً، ظهرت الاتهامات الشخصية بحقّ خان وانتهت بعزله. ولا يمكن الجزم بتلفيق تلك التهم لخان الذي انتُخب في عام 2021 مدّعياً عاماً للمحكمة لولاية مدّتها تسع سنوات، ولا يجوز أيضاً استخدام السياسة لنفي حقّ أيّ شخص في الشكوى أو التحقيق فيها، ولا يستقيم الأمر من دون محاسبة لا تستثني أحداً حتّى لو كان المتّهم مسؤولاً قضائياً رفيعاً، وإلّا لكانت العدالة انتقائيةً. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أنّ عزل خان جاء في غمرة ضغوط غير مسبوقة واجهتها المحكمة بسبب القضية الفلسطينية، ولا يمكن فصل هذا التطوّر عن الجهود السياسية والقانونية والإعلامية التي بُذلت منذ صدور مذكّرات التوقيف لتقويض شرعيتها أو الحدّ من آثارها.
لم تدافع المقرّرة الخاصّة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة فرانشيسكا ألبانيزي عن كريم خان في ما يتعلّق بالتهم الموجّهة ضدّه، ولكنّها لفتت الانتباه (في منشور عبر "إكس") إلى تزامن عزل خان مع المحاولات الرامية إلى تحييد مذكّرتَي توقيف نتنياهو وغالانت، ورأت أنّ عدّ هذا مصادفةً أصبح "ترفاً لا يستطيع القانون الدولي تحمّله"، وحذّرت من أن تصبح المحكمة الجنائية الدولية مشلولةً. ألبانيزي نفسها كانت أكثر المسؤولين الأمميين تعرّضاً لحملات التشهير والضغوط الأميركية الإسرائيلية بسبب موقفها القانوني والإنساني تجاه حرب الإبادة في غزّة. ولعلّها أكثر من يدرك أنّ ما يجري في "الجنائية الدولية" اختبار حقيقي لمنظومة العدالة الدولية عند اقترابها من ملفّات تمسّ دول الاحتلال الإسرائيلي وحلفائها. وحين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية (بجهود كريم خان) مذكّرة توقيف بحقّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (في 17 مارس/ آذار 2023)، نالت المحكمة كلّ الإشادات الممكنة، وتوافق الغرب، بما فيه إسرائيل والولايات المتحدة، على أنّ العدالة الدولية لم تتضرّر، وأنّ القانون فوق السياسة. تبدّل هذا الخطاب حين وصلت مذكّرات "الجنائية الدولية" إلى قادة إسرائيل، وانطلقت ضدّها تهم الانحياز وتجاوز الصلاحيات. لم تكن تلك الازدواجيةُ جديدةً، وهي ازدواجية تُضعف الثقة في المحكمة والإيمان بالعدالة الدولية.
ربّما يكون خان قد أخطأ في سلوكه الشخصي، وقد تثبت سلامة قرار عزله، لكن من بين الأسئلة المعلّقة: ما مصير القضية التي فتحها خان بحقّ قادة إسرائيل؟ علماً بأنّ أوامر القبض على المتّهمين بارتكاب جرائم حرب تبقى نافذةً ما لم تسحبها أو تعدّلها الدائرة القضائية المتخصّصة. هل ستواصل المحكمة ملاحقة مرتكبي الجرائم ضدّ الفلسطينيين بالزخم نفسه في عهد كريم خان، أم أنّ الرسالة الأميركية الإسرائيلية قد وصلت إلى من سيخلف خان في منصبه؟