رسالتا ميلانيا وأولينا

23 اغسطس 2025
+ الخط -

في ألاسكا كانت ميلانيا ترامب وفي واشنطن أولينا زيلينسكا. رسالتان مُنحتا أبعاداً إنسانية لارتباطمها بأطفال أوكرانيا. ميلانيا ترامب، سيدة أميركا الأولى، طلبت في رسالتها إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "حماية براءة الأطفال ورعاية أمل الجيل القادم"، أي الأطفال الأوكرانيين الذين نقلتهم روسيا إلى أراضيها بعد بدئها الغزو في 24 فبراير/ شباط 2022. أما زيلينسكا، سيدة أوكرانيا الأولى، فشكرت، في رسالتها الموجهة إلى ميلانيا، اهتمامها بالأطفال الأوكرانيين. في الرسالتين معانٍ إنسانية لسيدتين، نمطية في المشاهد السياسية، وتقليدية لدور النساء، وفقاً لحالاتٍ سابقة. تلك المناشدة من ميلانيا ترامب، وذلك الشكر من أولينا زيلينسكا، انتهيا عند هذا الحدّ، من دون تمدّدهما ولا تأديتهما دوراً أكبر من كسر جليد ألاسكا، بين بوتين وترامب، وجليد واشنطن بين ترامب ونظيره الاوكراني فولوديمير زيلينسكي.

صحيحٌ أن الضوضاء التي أحاطت بالرسالتين كانتا جميلتين، إلا أن انتهاءهما عند هذا الحد يُظهر وكأن أزمنة رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر، والمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، قد ولّت إلى غير رجعة، لجهة صياغة قراراتٍ سياسيةٍ حاسمة. حتى إن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين أعربت عن اهتمامها بمعالجة أوضاع أطفال أوكرانيا المحتجزين في روسيا خلال اللقاء بين الأوروبيين وترامب في البيت الأبيض الاثنين الماضي. كذلك، لم تتمكّن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني من التأثير على ما نتج عن اللقاء.

يعني ذلك أن ما كان وارداً، منذ عشر سنوات مثلاً، لم يعد صالحاً في الوقت الحالي. وتراجع الدور القيادي للمرأة في هذه الفترة، بما فيه تنحّي مارين لوبان عن قيادة حزبها "التجمع الوطني" لمصلحة جوردان بارديلا، حتى قبل اتهامها بالاختلاس ومنعها من الترشّح للرئاسيات خمس سنوات، وضمناً رئاسيات 2027، يُظهر أن إزاحة النساء عن صدارة المشهد القيادي في العالم ناجم عن التحولات الجذرية لتيارات اليمين، الوسطي والمتطرّف، في مختلف أرجاء العالم. هذه التحولات التي تنحو باتجاه التشدّد والإيحاء بـ"العودة إلى التقاليد" ورفع الشعارات "المحافظة" ليست سوى كبح لمسارٍ يمنع التمييز بين الرجال والنساء، واستطراد بين مختلف فئات المجتمع. وفي تلك العرقلة، محاولةٌ غير واعية لإعادة رسم صورة "الرجل ـ القائد" و"المرأة ـ المحدودة"، في طمسٍ لأدوار تاتشر وميركل وغيرهما.

لو أن ترامب مثلاً كتب لبوتين الرسالة التي كتبتها ميلانيا، وأن زيلينسكي هو من ردّ برسالة جوابية لترامب، لسخر كثيرون، بموجب تحولات العقد الأخير الفكرية، من الرئيسين الأميركي والأوكراني. في ذلك انتقاص من قيمة القضية، وفي هذه الحالة أطفال أوكرانيا، من أجل "إيغو" رجلٍ ما. بالتالي، سيطرح ذلك إشكالية أساسية، أو يعيد طرحها، وتتمحور حول مدى قدرة الرجل والمرأة على القتال من أجل قضية إنسانية من جهة، وحول قدرتهما على المواجهة السياسية والعسكرية من جهة أخرى. الجواب اليديهي هنا أن الإضاءة على قضيةٍ ليست متعلقة بنوازع جندرية ولا بخصائص الرجل والمرأة، بل بشخصية حاملي لواء القضية، أياً كان جنسهم. هل كان ليتغيّر مسار أيرلندا الشمالية لو أن رجلاً كان يقود بريطانيا في ثمانينيات القرن الماضي، لا تاتشر؟ وكذلك حرب الفوكلاند بين بريطانيا والأرجنتين؟ وهل لو كان مستشار ألمانيا رجلاً، لا ميركل، خلال غرق اليونان في أزمتها المالية، كان ليغيّر المسار؟ أكيد لا، لأن الأمر متّصلٌ بالمفهوم السياسي لا الشخصي، وبحسابات المصالح المحلية والإقليمية.

كان لا بدّ من هذه البديهيات في عالم يعود بسرعة ضوئية إلى صراعات القبائل حين كان الرجل في الواجهة والمرأة محدودة السلوك والتصرف والآراء. وفي ألاسكا وواشنطن، وبمشاركة الجميع من دون استثناء مهما كانت النّيات سليمة، عاد العالم إلى ما كان عليه قبل أكثر من قرن بنمطية فاقعة: "الرجل القاسي والمرأة الحنونة"، لكنْ، لا الأطفال الأوكرانيون عادوا ولا الغزو الروسي لأوكرانيا انتهى.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في الصحيفة الورقية لـ"العربي الجديد".