رسالة إلى قلب الشاعر
(محمد العامري)
"شكراً أيّها القلب النابض"... ظلّت هذه الرسالةُ بين إرجاءٍ للنشر ورغبةٍ فيه، منذ ذاع خبرُ العمليّة الجراحيّة التي خضع لها الشاعر غسّان زقطان، حتى نجاحها والحمد لله. ولعلّ ما كان يحول دون نشرها أنّها موجّهة إليك يا قلب الشاعر، أنت المضخّة العجيبة الصامتة التي نقوّلها ما لا تقول، وننسب إليها ما لا نراها تشعر به، ونلومها على ما لا ذنب لها فيه، ونستكثر عليها أن تتعطّل في صدر من عاش دائماً بقلب مفتوح على الفرح رغماً عن الخسارات. وكان من الصعب أن نتلمّس لهذه الرسالة طريقاً بعيداً عن طقس التوجّع أو المواساة، بما يسمح للقلق أن يتحوّل إلى لغة باقية. وتلك خصلة غسّان، شاعراً وإنساناً. إنّه لا يحرس الألم ولا يهرب منه، بل يحوّله إلى معنى بهيج، ويشارك الآخرين في حمله.
شكراً، يا قلب غسّان. ها أنت تعبُر به المحنة. شكراً أيّها المغامر الجميل الذي لم يهرُب يوماً من أحد أو شيء أو مكان، بل فتح، دائماً، البابَ على مصراعيه، ودعا كل ما يؤلم إلى قضاء الليل والبقاء حتى الصباح. أناشدك اليوم بما تبقّى فيك من قدرة على النبض أن ترفق بصديقي في المقبل من الأيّام، فأنا لم أشبع منه. وأعرف أصدقاء كثراً في مختلف أصقاع العالم لم يشبعوا منه. ارفق بهذا الرجل الذي صدّق أنّه "يحمل المكان كما تحمل اليد جرحها"، وكان حريّاً به ألّا يُصدِّق، لأنّ من يُصدِّق استعاراته يدفع ثمنها من جسده لا من الورق. وقل لي، إن كان لديك فسحة من الوقت: كيف رأف مشرطُ الجرّاح بضحكة صديقي النابضة من القلب؟ أين اختفت تلك الضحكة في أثناء العمليّة؟ في القصيدة؟ وهل يلجأ الشعر من الجسد إلى ما وراء الجسد؟ وكيف لم ينهض أحدٌ هاتفاً إنّ باب الشاعر قلبه، وهو لا يُغلق أبداً. وماذا حدث للعالم كي يسعى إلى فتح قلبٍ مفتوحٍ مثل قلب صديقي؟
أنت من جعلته يحمل تونس في جهةٍ من جهات الروح، في جانب عمّان وبيروت ودمشق في الطريق إلى رام الله. كانت المدن تتناوب على استضافة غيره كما تفعل المؤتمرات: بحفاوة مؤقّتة وبروتوكول ثابت ونسيانٍ لاحق. أمّا هو فتبنّته تلك المدن وحفرت اسمه في تفاصيلها العميقة. هل تدري لماذا؟ لأنّه كان يقيم فيها بصدق من لا يعرف "من أيّ نافذة يأتي الضوء". لذلك ترك في كلّ مدينة أحبّةً يستأنسون بعبقه، وقلوباً تنبض بحبّه، كما ترك أشياء من جسده، تضمّد جراحها الدفينة، وترقص في أفراحها الباكية، وتهطل على مقاعدها اللا مرئيّة.
الجسد يا قلبَ الشاعر. قاربك المنهك العنيد. ذخيرتك الأخيرة. ذلك الشريك المكابر الذي لا يكتب شعراً، لكنّه يدفع فواتير كلّ قصيدة نقداً وبلا استئذان. الجسد اللاعب، والجسد اللعبة، وبينهما الجهة الأخيرة التي يبذّر فيها الشاعر طائعاً ما لا يملك: زمنَ عبوره في هذه الأرض، لعلّه يمنحها شيئاً من المعنى بشيءٍ من الجمال. تمهّل، إذن، يا قلب صديقي. الجمال كما قال ريلكه، بداية الرعب الذي نستطيع تحمّله، لكنّنا نحتاج إلى مثل غسّان كي نسير في طريقه. نريد أن نزوره هناك، في فلسطين المحرّرة. نريد أن نعود إلى مكان لا يتطلّب منك في كلّ مرّة أن تُثبت أنك أنت، وكأنّ الوطن أيضاً يسأل الشجرة: ما اسمك؟ ومن أين أتيت؟ وهل لديك ما يثبت أنّك منّي ولستِ واحدة من أشجار الهواء؟
مُتعِبٌ هذا كلُّه، يا قلب غسّان، ومُضنٍ، ويهدّ الجبال، فارفق بصديقي. ساعده على الاستمرار في الحياة شاعراً لم يفتتن بالصراخ المصمت، بل ظلّ يهمس كي لا يضيع الصوت والصمت في الضجيج والزحام. ساعده على أن يتحمّل تلك المدن المتراكمة، تلك الوداعات التي لم تُستكمل، تلك القصائد التي يدفع ثمنها من نبضك قبل أن يدفعها من حبره. أرجوك، وهذا ليس رجاءً عاطفياً بقدر ما هو مطلب نقابيّ، موقّع من كلّ قارئ أنقذته قصيدة في لحظة لم يجد فيها غيرها: استمرّ في النبض. ليس لأنّ الشعر أهمّ من الصحّة، فالشعر والصحّة كلاهما أوهام جميلة نتمسّك بها، بل لأنّك إن توقفتَ اضطرّ الشاعر إلى أن يجد عملاً آخر، وهذه كارثة لا تتحمّلها الأرض.