رسائل هجوم دمياط

31 يوليو 2026

قوارب صيد في دمياط شمالي مصر (2/7/2024 Getty)

منذ معركة اليوم الواحد في عام 1988، دار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز والخليج العربي. لاحقاً، انتقل الصراع إلى العراق وسورية ولبنان والبحر الأحمر، مع دخول دولة الاحتلال الإسرائيلي طرفاً في المواجهة وحليفاً عسكرياً فيها للولايات المتحدة. ويمتدّ الصراع اليوم من ممرّات الطاقة التقليدية (باب المندب على البحر الأحمر، ومضيق هرمز على الخليج العربي) إلى البحر المتوسّط، بعد أن استهدفت، الأربعاء الماضي، طائرةٌ مسيّرةٌ وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة، المملوكة لشركة أميركية في ميناء دمياط المصري، ما يعني أنّ المسافات التي كانت تفصل بعض الدول عن تداعيات المواجهة قد تغيّرت. ولا يوجد دليل مُعلَن يثبت تورّط إيران في الهجوم، ولم تعلن (حتّى لحظة كتابة هذه السطور) أيّ جهة مسؤوليتها عنه. وفي كلّ حال، قد يظلّ تحميل طهران مسؤولية الهجوم طويلاً رهن ترجيحات سياسية واستخباراتية.

لافتٌ في توقيت الهجوم أنّه جاء في خضمّ تصاعد المواجهة الأميركية– الإيرانية إلى مستويات غير مسبوقة (منذ إعلان ترامب وقف إطلاق النار في 14 يونيو/ حزيران 2026): تصعيد الضربات الأميركية على إيران وتوسيعها، والضربات الإيرانية لقوات أميركية في الأردن، والضربات السعودية– الأميركية على جماعات موالية لإيران في العراق. يأتي الهجوم برسائل متعدّدة، تفيد إحداها باستكمال توسّع الجغرافيا العسكرية الحالية؛ فلن تبقى مساحة الاشتباك مقتصرةً على الخليج أو البحر الأحمر، بل ستمتدّ إلى منطقة كانت أكثر أمناً لحركة الطاقة: سواحل المتوسّط. أيّ حدث مشابه يرسل رسائلَ إلى مصر وأوروبا وشركات الطاقة العالمية والولايات المتحدة، ومنها ما يفيد بتوسيع الضغط على "الحلفاء" وبأنّ أيّ دولة تستضيف أصولاً أميركيةً أو تسهّل لواشنطن لوجستياً لن تكون في منأى عن الاستهداف، حتّى لو لم تكن طرفاً في الحرب.

قد لا نكون أمام حملة على الوجود الأميركي في منطقة الشرق الأوسط عموماً، لكنّ الواضح أنّ شبكة الاستنزاف الإقليمية التي تواجهها الولايات المتحدة تتمدّد. فبعد استنزاف القواعد الأميركية، تُستهدَف السفن التابعة للولايات المتحدة، ومنشآت الطاقة المرتبطة بشركاتها، وخطوط الإمداد اللوجستية، والموانئ التي تستضيف أصولاً أميركية. يعني استمرار الهجمات أنّ الحرب لم تعد محصورةً بين إيران والولايات المتحدة (وحلفائها)، ولم تعد تقتصر على وكلاء إيران في المنطقة، بل تمضي سياسة الضغط على الحلفاء لتشمل البنية الطاقوية والاقتصادية، ما يوسّع دائرة الدول المتضرّرة، ويرفع تكاليف التأمين والشحن والطاقة، نتيجة انتقال التهديد إلى المتوسّط. وعلى الرغم من شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، منذ "كامب ديفيد" (1978)، تجنّبت مصر الانخراط العسكري المباشر في أزمات الإقليم، وحرصت دائماً على عدم تحويل إيران إلى خصم مباشر. مكّنها هذا التوازن من لعب أدوار سياسية ودبلوماسية غير مُكلِفة. لكنّ هذه السياسة واجهت دائماً لحظاتٍ لا تحترم فيها الحروب حسابات الدول، بقدر ما تعيد رسمها وفق مصالح المتحاربين. والسفينة المستهدفة، أخيراً، لم تكن ناقلة نفط عادية، بل هي جزء من منظومة أمن الطاقة المصرية الإقليمية. ولا يعني الهجوم أنّ مصر قد أصبحت تلقائياً طرفاً في الحرب، وليس مرجّحاً أن تتخلّى سريعاً عن سياسة الحياد، إلّا في حال ارتفعت تكلفة هذا الحياد حين يثبتُ أنّ أراضي مصر ومرافقها اللوجستية صارت جزءاً من مسرح الصراع، ما يفرض على القاهرة أدواراً أمنية ولوجستية لحماية الموانئ وقناة السويس ومنشآت الغاز، من دون أن تشارك (في المدى المنظور؟) في ضرب إيران.

لا يبدو أنّ أضرار هجوم ميناء دمياط جسيمة، لكنّ دلالاته حدثٌ استراتيجيٌّ وسياسيٌّ أكبر من أيّ أضرار مادّية. وفي خضمّ ذلك كلّه، تزداد احتمالات سوء التقدير، فقد تردّ واشنطن على أيّ هجوم يستهدف أصولاً أميركية ردّاً واسعاً، حتّى قبل التثبّت من هُويّة المنفّذ، وهذا غير مُستبعَد في ظلّ العقلية الذرائعية الأميركية التقليدية.

حسام أبو حامد
حسام أبو حامد
كاتب وصحافي فلسطيني. من أسرة "العربي الجديد". صدرت له مجموعة قصصية بعنوان "أحوال ليست شخصية (قصص المدن المُتعَبة)" (دمشق 2026).