خيانة المثقّف والمرحلة الانتقالية في سورية
المثقّفُ خائنٌ بطريقتَيْن: يخون السلطة من أجل الحقيقة، أو يخون الحقيقة من أجل السلطة. وبين الخيارَيْن يعيش المثقّف السوري امتحاناً مستمراً منذ عام 2011. في زمن نظام الأسد كان المشهد (على قسوته) واضحاً نسبياً: مَن يبرّر القمع والتعذيب والقتل هو في خندق النظام، ومن يفضح ذلك بالكلمة أو الموقف هو في خندق الثورة. تبدو الصورة اليوم أكثر التباساً. سقط نظام الإجرام الأسدي، وظهرت سلطة انتقالية لا تشبهه في كل شيء، ولا تشبه أحلام السوريين في كل شيء أيضاً. مجازر النظام الساقط تنتظر العدالة الانتقالية، وارتكبت مجازر بعد سقوطه ينتظر أن يُحاسب مرتكبوها، وقد برّرها مثقّفون بأنها "جراحة ضرورية في جسد الأمة المريض". عموماً، لم تعدِ الدبابات تملأ الشوارع، لكن القمع المسمّى "انتهاكات فردية" مستمرّ، وكذلك احتكار المجال العام وحرمان السوريين من المشاركة وممارسة السياسة. ومع ذلك، فإن سوريين كثيرين (بحذر أو من دونه) يضعون آمالهم على السلطة الانتقالية. هنا بالضبط يتضاعف الامتحان: كيف يحافظ المثقّف على دوره النقدي من دون أن يُتَّهم بأنه يعرقل مسيرة المرحلة الانتقالية، ومن دون أن يتحوّل، في المقابل، مروّجاً رسمياً خطاب "الواقعية الثورية"؟.
إغراء الصمت اليوم مختلف عمّا كان عليه في زمن الأسد. هناك من يهمس: لنمنح السلطة الانتقالية فترةَ حمايةٍ من النقد، فالمهمّة صعبة والظروف قاسية. لكن التجربة السورية تُعلِّمنا أن الصمت لا يلد إلا استبداداً جديداً، وأن من يصفّق اليوم يصعب عليه أن يتحوّل غداً قاضياً أو شاهدَ اتهام على السياسات نفسها التي مجّدها. تميل السلطة، بحكم بنيتها، إلى توسيع نفوذها وتقليص من يقيّدها أو يراقبها، وتجسّد هذا الميل في عهد الأسد في القبضة الأمنية المباشرة، ويظهر في العهد الانتقالي بصورٍ أكثر نعومةً: حجج "المسؤولية الوطنية" و"حماية التجربة ومداها" و"عدم تشويش الرأي العام". وإذا لم يحافظ المثقّف على استقلاله، تحوّل تدريجياً من خدمة الحقيقة إلى خدمة المؤسّسة، بينما وظيفة المثقّف كشف الواقع، وتحليلُه، وفضح الظلم، وتنوير المجتمع. حتى حين تفعل السلطة الانتقالية خيراً، أو تخطو خطوةً إيجابيةً، فليست مهمّة المثقّف إطلاق الزغاريد السياسية، بل تحويل تلك الخطوة مؤسّسةً وقانوناً، لا أن تبقى هبةً وتخضع لمزاج الحاكم. وليس المثقّف مراقباً لحُسن النيّات، بل لحُسن النتائج، وقد جرّب السوريون خطابات "الإصلاح" التي تحوّلت غطاءً لأنظمة القمع. لذلك، لا تكفي السيرة النظيفة لبعض المسؤولين الانتقاليين، ولا نيّاتهم الحسنة. المعيار الحقيقي هو ما يتغيّر في حياة الناس وحقوقهم: هل تقلّص خوفهم، أم تغيّرت لغة التعبير عنه فقط؟
أما مغالطة "لو كنتَ مكان الحاكم، ماذا كنتَ ستفعل؟"، فتحضر في المشهد السوري سؤالاً يبدو منطقياً وواقعياً، لكنّه في العمق محاولة لإبعاد المثقّف من موقعه الطبيعي، ودفعه إلى التفكير بعقل السلطة لا بعقل المجتمع. يُقال له: الساحة منقسمة، والتدخّلات الخارجية متشابكة، والموارد شحيحة، والعقوبات ثقيلة، والسيادة مستباحة... هات خطةً أفضل، وإلا فأنتَ متجنٍّ كارهٌ أو محبطٌ مفلس. سؤال يراد به إسكات النقد، وتحويل دور المثقّف من مساءلة بنيوية للسياسات إلى امتحان شخصي لقدرته على إدارة دولة، وكأنّه مُطالب بأن يثبت كفاءته رئيساً أو موظّفاً حكومياً كي يُسمَح له بانتقاد قرارات السلطة، بينما دوره الحقيقي أن يبقى ضميراً نقدياً يقيس السياسة بالقانون والعدالة، وبميزان التجربة التاريخية ومصلحة المجتمع، لا بمعيار "صعوبة المهمة" التي يحملها الحاكم.
في زمن النظام السابق، لم يكن لسؤال "لو كنت مكانه؟" معنى تقريباً، فالخلل كان بنيوياً. وفي زمن الانتقال، يزداد إغراء السؤال: وجوه جديدة، بعضهم ضحّى، وبعضهم دفع ثمناً شخصياً. هذا لا يغيّر الحقيقة: دور المثقّف ليس أن يتقمّص موقع الحاكم، بل الحفاظ على المسافة اللازمة من السلطة ليبقى كلامه ضرورياً، لا بديلاً من القرار التنفيذي، بل ميزاناً به يُقاس هذا القرار.
الإجابة عن السؤال الخادع: "لو كنت مكان الحاكم، ماذا كنت ستفعل؟" بسيطة وحاسمة: ليس على المثقّف أن يحكم، وإنما أن يذكّر الحاكم بأن سورية أكبر منه ومن سلطاته، ومن أيّ استقرار يقوم على كتم صوت الحقيقة. تلك هي الخيانة النبيلة التي تليق بالمثقّف السوري (وغيره) في "المرحلة الانتقالية"، كي يبقى مرآة المجتمع.