حين تُنقذ نفسك من الآخرين
(فادي يازجي)
علاقة تستنزفك قليلاً كلّ يوم، وكأنّها قرض مفتوح من طاقتك، تسدّده بصمت، وتؤجّل استرداده إلى وقت لا يأتي. في البداية، يبدو الأمر عابراً، اختلاف طباع، سوء تفاهم، أو مزاجاً عكراً، ثم يتحوّل تدريجياً إلى نمط دائم، فيتآكل توازنك، وتصبح سلامتك النفسية مجرّد تفصيل مؤجّل.
المشكلة أنّ كثيرين يربطون قيمة الوفاء بالقدرة على الاحتمال، وكأنّ الصبر فضيلة مطلقة حتى وهو يجرح صاحبه. يظنّون أنّ التراجع خيانة، وأنّ الحزم قسوة، وأنّ حماية النفس نوع من الأنانية المذمومة. وهنا تتسلّل العلاقات المؤذية بثقة، لأنّها تعرف أنّها محاطة بسلسلة من الأعذار الأخلاقية التي تحميها من المواجهة. وهكذا، يجد الفرد نفسه عالقاً بين صورتَين؛ صورة يريد أن يراها الآخرون، وصورة أخرى يتعب في حملها من دون أن يجرؤ على إسقاطها.
العلاقة التي تؤذي لا تأتي دائماً بملامح واضحة، أحياناً ترتدي قناع الاهتمام، وأحياناً تتخفى خلف المزاح، وأحياناً تتكئ على تاريخ مشترك يفرض عليك البقاء، وكأنّ الماضي صكّ ملكية للحاضر. ومع الوقت، تتبدّل معاييرك الداخلية، فتقبل ما كنت ترفضه، وتعتاد ما كان يرهقك، وتبرّر ما كان يزعجك. تتقلّص مساحتك الخاصّة، ويصبح التعب جزءاً من تعريفك اليومي للحياة، وكأنّك نسيت كيف يبدو الشعور الطبيعي بالراحة.
لا أحد يخرج من علاقة مؤذية دفعة واحدة، فالأمر يشبه انسحاباً بطيئاً من منطقة فقدت شروط العيش. تبدأ أولاً بالانتباه، ثم بالاعتراف، ثم بمحاولة التعديل، وعندما تكتشف أنّ الطرف الآخر لا يرى المشكلة أصلاً، أو لا يعنيه إصلاحها، تدرك أنّك الوحيد الذي يدفع الثمن. عند هذه النقطة، لا يعود الاستمرار فضيلة، بل يصبح نوعاً من الإضرار بالنفس، وكأنّك تمنح الآخرين حقّ العبث بتوازنك.
الانسحاب ليس مشهداً درامياً كما يُصوَّر، بل قرار هادئ في الغالب، يتّخذه من تعب من التفاوض مع ما لا يتغيّر. هو فعل حماية، وليس انتقاماً، واختيار واعٍ بالانحياز إلى سلامك الداخلي. قد تشعر بالذنب في البداية، لأنّك تربّيت على فكرة أنّ البقاء دليل قوة، لكنّك ستكتشف لاحقاً أنّ القوة الحقيقية تكمن في معرفة متى تُنهي ما لم يعد صالحاً لك.
هناك من يخاف الفراغ بعد انتهاء العلاقة، فيتمسّك بما يؤذيه خشية الوحدة، وكأنّ الألم المألوف أهون من مجهول قد يكون أرحم. لكن التجربة تكشف أنّ الفراغ مساحةٌ لإعادة ترتيب الذات، وأنّ الصمت بعد الضجيج الداخلي استراحة مستحقّة، وأنّ غياب العلاقة المؤذية يفتح باباً لاستعادة ما فقدّت من توازنك. لا شيء يُرهق النفس مثل البقاء في مكان يُطلب منك أن تتنازل عن نفسك مقابل القبول.
العلاقات السليمة لا تُثقل صاحبها بهذا الشكل، ولا تضعه في حالة دفاع دائم، ولا تجعله يعتذر عن مشاعره أو يبرّر حاجته إلى الاحترام. هي علاقات تسمح لك بأن تكون كما أنت، من دون أن تدفع ثمن ذلك من صحّتك أو راحة بالك. وعندما تقارن بين هذا وذاك، تدرك أنّ ما كنت تسمّيه ارتباطاً كان في حقيقته استنزافاً مؤجّل النهاية.
إنّه قرار صعب، نعم، لكنّه واضح؛ أن تختار نفسك عندما تُستنزف، وأن تغادر عندما يتحوّل القرب إلى عبء، وأن تضع حدّاً عندما تتجاوز العلاقة حدودها. فالحياة لا تتّسع لكلّ شيء، والصحّة النفسية والجسدية ليستا تفصيلاً يمكن تعويضه لاحقاً، بل هما الأصل الذي تُبنى عليه بقية اختياراتك. وحين تدرك ذلك، لن يبدو الانسحاب خسارة، بل استعادة هادئة لحقّك في أن تعيش بخفّة، وبقدر أقلّ من الألم الذي كان يمكن تجنّبه لو أنك أنصتّ مبكراً لذلك الصوت الخافت في داخلك.