حرب مدينة السمكة
(يوسف عبدلكي)
كان المصريون في مدينة أوكسيرنيخوس (بهنسا حالياً) يقدّسون سمكة الفيل، وحين اكتشفوا أن جيرانهم على مجرى النهر أهل مدينة سينوبوليس (سمالوط حالياً) يأكلون سمكتهم المقدّسة، فقدوا صوابهم، واجتمع حكماؤهم للتباحث في التصرّف الملائم مع هذه المعصية بحق الآلهة، وقرّروا أخيراً أن يبدأوا بأكل الكلاب، التي يعبدها أهل سينوبوليس، وحين علم هؤلاء بأن هناك من يأكل آلهتهم، حشدوا جيشاً، وساروا إلى مدينة الكفار.
روى المؤرّخ الإغريقي بلوتارخ قصة هذه الحرب الأهلية، ربما لمجرّد أنها حكاية حصلت، أو لتكون درساً لقومه، أو للأجيال التي ستأتي لاحقاً، مثلنا نحن. ولكن غالباً سيضحك منها، ومن سخفها، كل إنسان أتى لاحقاً، لا سيما اليوم. بدلاً من أن تؤدّي وظيفتها التي صُمّمت لأجلها، مثلها مثل كل حكاية عن التاريخ، أن تعطيه "العبرة والموعظة"، وأن تدفعه إلى التأمل في حاله وزمنه، وتجنّب حماقات القدماء.
ولأنه لا يمكن لأحد أن يشعر حقاً بغباء ما يفعل، وبسخف الأسباب التي يميّز بها نفسه عن الناس، ويشنّ حروباً على أساسها، لذلك نكرّر هذه الحرب من دون توقف منذ آلاف السنين، ونعتقد دائماً أننا نموت في سبيل هدف عظيم، وسبب جدير، وأن الآخرين أعداء يستحقون القتل لفداحة ذنبهم.
لا يحكي المؤرّخ اليوناني، الذي أرّخ لتلك الحرب، عن عدد القتلى الذين سقطوا فيها، ولا عن عدد بيوت القش التي أحرقت، ولا عن بطون الحوامل التي بُقرت. ولكن يمكننا تخيّل ذلك، لأننا نعرف جيداً كيف تجري الحروب، ونعرف أن أهالي مدينتي الكلب والسمكة كانوا، قبل ثلاثة آلاف عام، يظنّون أنهم يفعلون الصواب الوحيد في العالم، وأنهم يبذلون أرواحهم في سبيل الإله.
لا يهم أنهم جيران وأقارب، وجدّهم المشترك لا يبتعد أكثر من بضعة أجيال، فقد عثروا على سببٍ يختلفون حوله، وحسموا إلى درجة الإطلاق النهائي أيّهما يستحقّ التقديس، السمكة البنية ذات الخطوط البيضاء والفم الممتد إلى الأمام كالخرطوم، أم الكلب اللاهث ذو اللسان الممدود خارج فمه. ثم وبخطوتين إضافيتين جعلوا الأمر سبباً لائقاً للموت.
وما زلنا نفعل الشيء نفسه، وإنْ نعتقد أن أسبابنا أكثر وجاهة، وأعداءنا أكثر بعداً. متجاهلين، ليس لدروس التاريخ الكثيرة المتكرّرة فقط، بل لما فتح العلم عيوننا عليه.
جزء من سخريتنا اليوم من تلك القصة القديمة، مرتبط بان العدوين أبناء عمومة، فيما يُخبرنا علم الجينات أننا جميعاً أبناء عمومة، وأن أبعد شخصين في العالم قرابةً يلتقيان في 99.99% من الجينات. أي أنهما أبناء عمومة حقاً. وأنا (ليس أنت إن لم تشأ هذا) التقي جينياً مع الشمبانزي بنسبة 98.8%، ومع الفأر بنسبة 85%، ومع الفطر بنسبة 60% ومع الباذنجان بنسبة 40%.
من دون علم جينات، كان لابسو جبة الصوف في القرن العاشر يردّدون عبارة واحدة بصياغات مختلفة، شعراً ونثراً يمكن تلخيصها بأن إيمانك لا يكتمل ما لم توقّر جميع الكائنات.
لا نجمح في طموحنا، إلى درجة أن نطالب الناس بتوقير الباذنجان أو دود الربيع، ولا أن يتخلصّوا من شعور الغربة عن قبائل غوايانا. نحلم فقط أن يتوقفوا عن القتال لأن أحدهم يقدّس سمكة بطول شبر، والآخر يراها لذيذة الطعم، وأن لا يتفارقوا ويعتقدوا الآخر آخر وغريبا، لأن جدّهم ولد على بعد مائة كيلومتر من مكان مولد جدّه.
يوماً ما سيصبح كل ذلك هباءً، وقبل ذلك سيمر بمراحل الفناء شيئاً فشيئاً، سيصبح غير مستحقٍّ للموت، ثم غير مهم، ثم ذكرى باهتة، ثم حكاية مهجورة يعثر عليها أحد ما بالمصادفة، ويستحضرها كما فعلت الآن بحكاية السمكة والكلب، فتصبح قصة عابرة قد تدفع إلى ابتسامة خفيفة، على فم إنسان أصبح أوعى وأذكى قليلاً من صيادين عاشوا قبل آلاف السنين على ضفة نهر النيل.
صحيحٌ أن حروب اليوم تدور حول الثروة، والعقائد مجرّد ذريعة، لكن سمكة الفيل لم تكن في زمنها أقلّ شأناً من نفط الخليج اليوم.