حرب "فيفا"
ترامب وإنفانتينو قبيل تقديم كأس العالم للمنتخب الإسباني بملعب نيو جيرسي (19/7/2026 Getty)
على هامش الحروب التي تستعر في العالم، سواء بين إيران وأميركا أو أوكرانيا وروسيا وغيرها من المعارك الهامشية الصغيرة، تدور حرب كبيرة في عالم كرة القدم عنوانها انتخابات رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، خصوصاً بعد صراعات كبيرة بدأت تطفو على السطح خلال بطولة كأس العالم التي استضافتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ودخول السياسة بشكل كبير على خط الكرة.
ليست الأزمات داخل "فيفا"، أو في عالم كرة القدم بشكل عام، جديدة، إذ إن صراعات انفجرت مع كل الرؤساء السابقين، سواء سيب بلاتر أو جواو هافيلانج، لكنها كانت تتمحور حول ملفات فساد. وهذه الملفات هي التي أطاحت الرئيس السابق، بلاتر، وجاءت بالرئيس الحالي جياني إنفانتينو، والذي كان من مهماته إعادة ترتيب الأوضاع داخل الاتحاد الدولي، ورفع معايير النزاهة والشفافية.
نجح إنفانتينو في مهامه إلى حد كبير في ولايتيه الأولى والثانية، قبل أن تتفجر الخلافات في الولاية الثالثة المفترض أن تنتهي العام المقبل. كثيرة كانت الخلافات التي نشبت بين "فيفا" والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، لكنها كانت مضبوطة وتدور حول جدول المباريات المزدحم التي خلقها الاتحاد الدولي، مع استحداث كأس العالم للأندية وزيادة عديد منتخبات كأس العالم، إضافة إلى النفوذ التجاري والسلطة على الأندية واللاعبين.
معظم هذه الخلافات، وهي تاريخية وليست جديدة، كانت تحل خلف الأبواب المغلقة، قبل أن تنفجر الأزمة أخيراً، والتي بدأت تأخذ طابع معركة سياسية عالمية. كانت البداية قبل كأس العالم، مع القرارات التي اتخذها إنفانتينو والتي رأت فيها الكثير من الاتحادات المحلية إقحاماً للسياسة في كرة القدم، على غرار استحداث جائزة "فيفا" للسلام ومنحها للرئيس الأميركي دونالد ترامب، من ثم الانصياع للأخير لتعديل قرارات خلال مباريات كأس العالم، والتغاضي عن المخالفات التي ارتكبتها الولايات المتحدة خلال هذا الحدث، كمنع دخول حكام وطواقم إدارية للمنتخبات وغيرها.
لكن إنفانتينو لم يلتفت إلى الأصوات المعترضة، ومضى في التفرّد باتخاذ القرارات الخاصة بكرة القدم العالمية. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير إعلانه عن مشروع بيع مستثمرين من القطاع الخاص عشرين في المئة من الحقوق التجارية المرتبطة بمسابقات "فيفا" مقابل نحو 4.2 مليارات دولار. هذا الإعلان فجر أزمة كبيرة مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الذي هدد بمقاطعة مسابقات "فيفا" إذا تم المضي بالمشروع، كما أحدث صراعاً داخل الاتحاد الدولي نفسه، ما أدى إلى استقالة كبير مستشاري إنفانتينو.
لم يكن الاعتراض متركزاً فقط على الفكرة، بل على احتكار رئيس الاتحاد الدولي للقرار وعدم استشارة سائر الاتحادات الدولية التي فوجئت بالمشروع. ورغم اعتذار إنفاننتينو عن إطلاق هذا المشروع، فإن المعركة لم تنته، إذ يبدو أنها لا تزال في بدايتها، وبدأت تتشعب مع تصاعد الدعوات لاستقالة رئيس الاتحاد قبل نهاية ولايته، وهو ما يرفضه إنفانتنيو، لتنطلق مبكراً معركة انتخابات رئاسة "فيفا" المقررة في 2027.
دخول ترامب على خط المعركة إلى جانب إنفانتينو فاقم القضية، والتي بدأت تأخذ طابعاً سياسياً مع تبلور محاور وتحالفات. ترامب أعلن قبل أيام أن "فيفا" سيرتكب "خطأ فادحاً" إذا فكر باستبدال إنفانتينو الذي وصفه بأنه "رائع"، الأمر الذي استفز الاتحاد الأوروبي لكرة القدم تحديداً، والذي بدأ يعمل على تشكيل جبهة في مواجهة رئيس الاتحاد الحالي، ونجح في كسب الاتحاد الآسيوي واتحاد كونكاكاف إلى جانبه.
لكن مسألة هزيمة إنفانتينو في هذه المعركة ستكون أعقد، إذ لا تستند الانتخابات إلى الاتحادات القارّية، بل إلى الاتحادات المحلية الـ211 التي يتكون منها "فيفا"، وهي التي تشكل نقطة القوة لإنفانتينو في وجه التحالف القاري، إذ إن كل دولة، مهما علا شأنها كروياً، لا تملك إلا صوتاً واحداً، ما يجعل رئيس الاتحاد الحالي محمياً باتحادات الأطراف في مواجهة الاتحادات الأساسية، مدعوماً بالضغط الذي قد يمارسه ترامب على اتحادات الدول الصغيرة في أميركا الجنوبية أو أفريقيا أو آسيا.