حرب اليمن... من رعاية "المعسكر" إلى تفكيكه
لم تعد الحرب في اليمن (غير السعيد) تُقاس بما يجري عند خطوط التماس مع الحوثيين، بل أصبحت رهناً بما يحدث داخل المعسكر الذي يحاربهم. لم يبق التباعد بين الرياض وأبوظبي خلافاً في أروقة السياسة، بل تنزّل إلى الأرض، ففرَض خرائط انتشار جديدة، وقواتٍ تتقدّم وتنسحب، ونخباً محلّية وجدت نفسها بين سندَيْن خارجيَّيْن يسيران في اتجاهين مختلفين... هكذا تغيرت طبيعة الحرب، من رعاية معسكر إلى تفكيكه، ومن صراع ضدّ خصم إلى صراع على تعريف الحليف والعدو داخل المعسكر الواحد.
طوال عشر سنوات كان التحالف بقيادة الرياض ضدّ الحوثيين العنوان الأبرز في المشهد اليمني؛ مالت إلى تثبيت إطار "الدولة الواحدة" عبر مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المعترف بها دولياً، لتضمن شريكاً رسمياً وعنواناً سياسياً تُبنى عليه التهدئة أو المفاوضات أو أي ترتيبات أمنية لاحقة. في المقابل، بنت الإمارات نفوذاً واسعاً في الجنوب عبر المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته، على قاعدة أن الجنوب "منطقة محرّرة" بفضاء سياسي وأمني له حساباته الخاصة. وحين تصادمت القراءتان لم يعد الأمر نقاشاً حول دستور أو شكل دولة، بل نقاش سلاح: مَن يسيطر على الأرض ومَن يدير الأمن ومَن يجبي الإيرادات.
حضرموت والمهرة عنوانان لهذا التحوّل. لم تكونا محافظتَيْن على هامش الحرب، وتضعان اليوم الصراع في أكثر صوره واقعية. حضرموت مساحة نفطية وساحلية شاسعة، بتوازنات قبلية حسّاسة، تعني السيطرة عليها تحكّماً في موارد ومسارات وشبكات أمنية. أمّا المهرة، المحافظة الحدودية، فخصوصيّتها في أنها على تماس مع حسابات الحدود السعودية وعلاقة اليمن بعُمان... وعندما يتحرّك المجلس الانتقالي في حضرموت أو يرفض الانسحاب منها، فإن رسالته تقول: موجودون في الجنوب كلّه، ولا يتوقّف مشروعنا (الانفصالي) عند عدن ولحج. تتصرّف السعودية بوصفها راعياً يريد إعادة ضبط معسكره وإعادة رسم خطوط نفوذ في شرقي اليمن: لهجة ردعية تطلّب الانسحاب وتسليم المعسكرات للسلطات المحلّية، وتتعامل ميدانيا مع التحرّكات التي تقوّض التهدئة.
أصبح السؤال اليومي في هذا السياق اليمني: "من هو الحليف؟"، بعد أن تحوّل طرف كان يُعدُّ جزءاً من المعسكر إلى "مشكلة" ينبغي احتواؤها، وتحوّلت حكومة يفترض أنها عنوان الشرعية إلى طرف يحتاج من يحميه من حليف داخل معسكره. أسطوانة "خفض التصعيد" بدت لليمنيين مشروخةً، فما إن بدا أن التهدئة مع الحوثيين هي بوابة استقرار في الشمال، حتى انفجرت حرب نفوذ في الجنوب والشرق. يدرك اليمنيون أن الحرب لم تختفِ، بل غيّرت صورتها، من جبهة واضحة إلى سلسلة احتكاكات داخل المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين. خطورة هذا الصراع تكمن في أن ليس له خطَُّ نهاية واضح؛ إنه صراع على إدارة اليومي: من يدير الأمن؟ من يملك قرار المعسكر؟ من يسيطر على الميناء؟ ومن يقرّر أين تذهب عائدات النفط؟
كانت أسئلة العام 2015: مَن يسيطر على صنعاء؟ ومَن يمنع سقوط عدن؟ ومَن يمسك مأرب؟ ولدينا في نهاية 2025 أسئلة إضافية: لمَن الكلمة في عدن داخل المعسكر نفسه؟ من يفرض شروطه في حضرموت ويتحكّم في المهرة؟ حين يدخل صراع الرعاة هذه المنطقة، تتبدّل الحرب من صراع على الدولة إلى صراع على مَن يملك حقّ تمثيل الدولة، ومَن يملك حقّ تعريف الجنوب، ومَن يملك القدرة على إلزام حلفائه قبل خصومه.
يربح الحوثيون حين يتآكل خصومهم من الداخل، فكل انقسام في المعسكر المقابل يعني تثبيتاً أعمق لسلطة الأمر الواقع في صنعاء ومناطق الشمال، وتتحسّن تلقائياً شروطهم في التفاوض. من هنا فإن التقدّم في ملفّات إنسانية مثل تبادل الأسرى (مع أمل تحويله إلى مسار سلام شامل)، يظلّ صعباً، فالطرف المفاوض لم يعد معسكر واحداً، بل جزر متنافسة تبحث كل منها عن ضماناتها الخاصة.
تبدو الحرب اليمنية أطول عمراً ممّا هو متوقّع. ليست المشكلة في صعوبة هزيمة الخصم وحسب، بل في تعقيدات ضبط "المعسكر" أيضاً. فالرعاية التي تنقلب تنافساً تجعل التحالف أقرب إلى إدارة مؤقّتة للأزمات منها إلى مشروع يضع حدّاً لها.