جمود سلبي في مواجهة الاحترار... فجوة الطموح المناخي

08 سبتمبر 2025

نساء من السكان الأصليين في برازيليا يتظاهرن ويطالبن بالعدالة المناخية (7/8/2025 فرانس برس)

+ الخط -

أظهر تقرير متتبع الإجراءات المناخية (Climate Action Tracker – CAT)، الصادر في يونيو/ حزيران الماضي، وتناول المساهمات المحلية أو المحددة وطنياً (NDCs)، أن التقدّم المحرز ما يزال محدوداً للغاية. فمن بين 40 دولة شملها التقييم، لم تُقدّم سوى 11 دولة أهدافاً جديدة لعام 2035، بينها دولة واحدة فقط قدّمت هدفاً متوافقاً مع مسار 1.5 درجة مئوية، (أي الحد من ارتفاع متوسط حرارة سطح الأرض بمقدار 1.5 درجة مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهي العتبة التي يعتبرها العلماء ضرورية لتجنّب أسوأ سيناريوهات التدهور المناخي) وكان ذلك مشروطاً بزيادة التمويل الدولي. وتؤشّر هذه الأرقام إلى الوضع المرحلي قبل انتهاء المهلة النهائية التي مدّدتها "أمانة اتفاق باريس"من فبراير/ شباط إلى سبتمبر/ أيلول الجاري.

تمثّل الدول الأطراف في اتفاق باريس مجتمعة نحو 85% من الانبعاثات العالمية. ومع إضافة 11 دولة أخرى غير مُقيّمة لدى CAT، ارتفعت نسبة الانبعاثات المشمولة بالأهداف الجديدة إلى نحو 19% من إجمالي انبعاثات عام 2022 (حتى 19 يونيو/ حزيران 2025). وبذلك تبقى غالبية الانبعاثات العالمية، أي ما يقارب 68%، من دون خطط محدثة.

وللحفاظ على هدف 1.5درجة، على الحكومات تعزيز أهداف عام 2030 بشكل عاجل لسدّ فجوة انبعاثات تُقدَّر بما بين 19 و23 غيغا طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وخفض الانبعاثات إلى النصف بحلول نهاية العقد. كما ينبغي وضع أهداف قوية لعام 2035 تضع العالم على مسار صافي صفر من الانبعاثات (Net Zero) في النصف الثاني من القرن، وذلك بحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) لعام 2024.

جمود في السياسات العالمية

سبق للمركز أن أفاد تقرير "التحديث العالمي لتوقّعات الاحترار المناخي" (Warming Projections Global Update)، الصادر في نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي، بأنّ توقّعات الاحترار العالمي بحلول عام 2100 لم تشهد أيّ تحسّن منذ عام 2021. إذ تُظهر البيانات أنّ السياسات الحالية تضع العالم على مسار ارتفاع في متوسط الحرارة بحدود 2.7 درجة مئوية، وهو ما يتوافق مع سيناريوهات تقرير التوليف للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC AR6 Synthesis Report, 2023). ويعكس ذلك استمرار الفجوة الهائلة بين واقع أزمة المناخ ومستوى الاستجابة السياسية والخطط الوطنية المطلوبة، لا سيما في ظلّ تواصل ارتفاع الانبعاثات بمعدل يقارب 0.3 درجة مئوية لكلّ عقد.

وتفسّر هذه النتيجة التباينات الواضحة في المشهد الدولي السياسي للطاقة: من جهة، يسجّل الاستثمار في الطاقة المتجدْدة والمركبات الكهربائية مستوياتٍ غير مسبوقة، حيث بلغت الاستثمارات في الطاقة النظيفة عام 2025 نحو 2.2 تريليون دولار، أي ضعف الاستثمارات في الوقود الأحفوري، وفق تقرير الوكالة الدولية للطاقة 2025. ومن جهة أخرى، شهدت مشاريع دعم الوقود الأحفوري قفزة قياسية في 2022، إذ تضاعفت مقارنة بعام 2021، كما تضاعف تمويل المشاريع المكرّسة لإطالة عمر الإعتماد على الوقود الأحفوري (النفط، الغاز، الفحم) أربع مرّات، بحسب تقديرات IEA & IMF. وتؤدي هذه الإشارات المُتناقضة إلى حالة من الشلل المناخي: تقدّم في قطاعات الطاقة المتجدّدة يقابله ترسيخ للاعتماد على الأحفوري.

استمرار الفجوة الهائلة بين واقع أزمة المناخ ومستوى الاستجابة السياسية والخطط الوطنية المطلوبة

ووفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP – Emissions Gap 2024)، يتطلب الحفاظ على مسار 1.5 درجة مئوية خفض الانبعاثات بنسبة 42% بحلول عام 2030، وبنسبة 57% بحلول عام 2035. أما إذا استمرّ مسار السياسات الحالي من دون تغيير حتى عام 2030، فسيؤدّي ذلك إلى تجاوز حد 1.5 درجة مئوية عقوداً طويلة، مع خطر حدوث أضرارٍ لا رجعة فيها على النظم البيئية والمجتمعات البشرية عند بلوغ نقاط التحوّل الحرجة أو نقاط اللاعودة (tipping points) (CAT – نوفمبر 2024؛ UNEP, 2024).

المساهمات لعام 2035: فجوة متزايدة

يشير هذا التعثّر والجمود في المساهمات الوطنية إلى أنّ الطموح المناخي ما زال بعيد المنال. إذ لم تُعزّز أي دولةٍ أهدافها لعام 2030، رغم أن خفض الانبعاثات إلى النصف بحلول ذلك العام يُعدّ شرطاً أساسيّاً لبقاء هدف 1.5درجة مئوية ممكناً، بحسب التقرير. وفي المقابل، حدّثت 11 دولة فقط مساهماتها لعام 2035، ولم يكن بينها سوى دولة واحدة قدّمت هدفاً متوافقاً مع مسار 1.5 درجة مئوية، وإن كان مشروطاً، إلى ما سبقت الإشارة.

وحتى الدول التي أعلنت أهدافًا لعام 2035، مثل كندا وسويسرا، ويُفترض أن تكون أكثر تقدّماً من أهداف 2030، لم تقلّص الفجوة مع مسار 1.5 درجة مئوية، بل زاد اتساعها. ويرجع ذلك جزئيّاً، على الأقل، إلى الاعتماد المتزايد على مصارف الكربون في قطاع الأراضي (LULUCF)، أو على آليات التعويض الدولية بموجب المادة السادسة من اتفاق باريس، بدلاً من خفض الانبعاثات الأحفورية مباشرة.

الاعتماد على المادة السادسة والعدالة المناخية

تفترض المادة السادسة من اتفاق باريس أن تتيح إطاراً للتعاون الدولي عبر تبادل نتائج التخفيف أو شراء اعتمادات الكربون. غير أن توسّع بعض الدول في استخدامها يثير إشكالات جدّية. إذ يمكن أن تتحوّل إلى وسيلة لإزاحة الجهد الوطني وتأجيل خفض الانبعاثات داخليّاً، بما يعيد إنتاج إخفاقات آلية التنمية النظيفة (CDM) في بروتوكول كيوتو، حيث شكّكت تقارير عديدة في "إضافية" المشاريع المموَّلة.

إما أن يتحقّق هذا التحوّل الجذري خلال العقد الحالي، أو يُترَك العالم رهينة مسار تفاقمي، يقود إلى سلسلة آثار نعيش فعلياً ملامحها في ظواهر مناخية متطرّفة، فجائية، ومتكرّرة، وطويلة الأمد

كما يظلّ خطر المحاسبة المزدوجة قائماً في غياب معايير صارمة للشفافية. وإلى جانب ذلك، قد يفاقم الاعتماد المُفرط على المادة السادسة فجوة العدالة المناخية، إذ يتيح للدول الغنية الاستمرار في الانبعاث داخليّاً مع شراء اعتمادات منخفضة التكلفة من بلدان الجنوب العالمي. وهي إشكالية هامة وتطرق بقوة، وهو ما يشير إليه Joeri Rogelj، أحد أبرز المساهمين في تقارير UNEP Emissions Gap، الذي سبق أن حذّر مع آخرين من استخدام الآليات مثل المادة 6 بديلاً عن العمل المباشر، مؤكّداً وظيفتها أداة تكملية لتعزيز الطموح في إطار من المحاسبة الشفافة والصارمة.

وعليه، يصبح من الواضح أنّ المادة السادسة لا ينبغي أن تُعامَل بوصفها بديلاً عن العمل المناخي المحلي، بل أداة إضافية لتعزيز الطموح، شريطة أن تُدار وفق قواعد صارمة تضمن المصداقية والنزاهة البيئية، وهو غير المُتحقّق لغاية الساعة.

غرب آسيا ومعادلة الجمود المناخي

في منطقة غرب آسيا أو الشرق الأوسط، تتجلى هذه المفارقة بوضوح، فالمنطقة تُعدّ من أكثر المناطق هشاشة أمام آثار تغيّر المناخ، مثل موجات الحر، الجفاف، وشح المياه، وفي الوقت نفسه من أكثرها اعتماداً على الوقود الأحفوري ودعمه مالياً، كما يوضّح تقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجدّدة (IRENA, 2024). ما زالت اقتصادات المنطقة رهينة اعتمادٍ مفرطٍ على الأحفوري، سواء عبر الإنتاج أو الاستهلاك، أو من خلال منظومة الدعم المالي التي تُبقي أسعاره منخفضة بشكل مصطنع في الأسواق المحلية.

في المقابل، تتجه بعض دول الخليج، وعلى وجه الخصوص قطر والإمارات والسعودية، نحو استثمارات طموحة واسعة في الطاقة المتجدّدة والهيدروجين الأخضر وتقنيات حبس الكربون، محاولةً ترسيخ صورة "الريادة في الطاقة المستقبلية". غير أنّ هذا التوجّه يصطدم بواقع موازٍ يتمثّل في الاستمرار في التوسّع بمشاريع النفط والغاز، ما يعكس ازدواجية لا تنسجم مع مسار اتفاق باريس.

يمكن اعتبار الشرق الأوسط صورة مصغّرة عن حالة الجمود المناخي العالمي الراهن: نمو متسارع في الطاقة المتجدّدة يقابله تضخيم مستمر لدعم الأحفوري وبنيته التحتية

أما الدول ذات الهشاشة الاقتصادية مثل لبنان والأردن ومصر، فهي تخوض ما يشبه صراع بقاء طاقوي أكثر مما تلتزم بمسار مناخي. إذ يجعلها العجز المالي والانكشاف الطاقوي، نتيجة مشكلات مركبة باتت بنيوية تتعلّق بالحوكمة والفساد والعجز المزمن وضعف الرؤى الاستراتيجية، أمام معادلة معقّدة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الأمنية.

وعليه، يمكن اعتبار الشرق الأوسط صورة مصغّرة عن حالة الجمود المناخي العالمي الراهن: نمو متسارع في الطاقة المتجدّدة يقابله تضخيم مستمر لدعم الأحفوري وبنيته التحتية. وفي حال استمرار هذا الجمود، وعدم القدرة على تحقيق خرق يكسر هذا التناقض البنيوي، فلن يكون أداء المنطقة أفضل من باقي مناطق العالم، بل ستظل عاملاً مساهماً في تثبيت مسار 2.7 درجة مئوية بحلول 2100 بدلاً من أن تتحوّل إلى جزء من الحل.

هل لا يزال تجاوز الشلل المناخي ممكناً؟

في خلاصة لما سبق، يخلص تقرير CAT، وفي السياق نفسه، تقارير UNEP وIRENA وغيرها، إلى أنّ العالم لا يزال عالقاً في معادلة جمود مناخي سلبي خطير، حيث بقيت توقّعات الاحترار عند حدود 2.7 درجة مئوية بحلول عام 2100 من دون تحسّن منذ عام 2021. ويعكس ذلك حقيقة أنّ المساهمات الوطنية لم ترتقِ إلى مستوى الطموح المطلوب، في حين يجري استخدام الآليات التي يفترض أن تكون تكاملية وسنداً للعمل المناخي وسيلة للتهرّب من تطوير السياسات المحلية. بل إن هذه الآليات تُستغل أحيانًا للتغطية على مواصلة أو حتى زيادة الانبعاثات، ما يؤدي إلى توسيع فجوة الانبعاثات بدل تضييقها، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على العدالة المناخية والشفافية.

وعليه، يستلزم الحفاظ على مسار 1.5 درجة مئوية كسر هذا التناقض البنيوي عبر تعزيز الطموح المناخي محليّاً ودوليّاً، وتبنّي مسارات واضحة تعطي الأولوية لخفض الانبعاثات الأحفورية بشكل مباشر، بدل الاكتفاء بآليات تعويضية مؤقتة.

فإما أن يتحقّق هذا التحوّل الجذري خلال العقد الحالي، أو يُترَك العالم رهينة مسار تفاقمي، يقود إلى سلسلة آثار نعيش فعلياً ملامحها في ظواهر مناخية متطرّفة، فجائية، ومتكرّرة، وطويلة الأمد، بما تحمله من أضرار لا رجعة فيها على النظم البيئية والمجتمعات البشرية.

مراجع:

1.  Climate Action Tracker (CAT). (2024, November). Warming Projections Global Update. Climate Analytics & NewClimate Institute.

2.  Climate Action Tracker (CAT). (2025, June). Nationally Determined Contributions (NDCs) update. Climate Analytics & NewClimate Institute.

3.  Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC). (2023). AR6 Synthesis Report: Climate Change 2023. Geneva: IPCC.

4.  International Energy Agency (IEA) & International Monetary Fund (IMF). (2023). Fossil fuel subsidies data and estimates. Paris: IEA & Washington, DC: IMF.

5.  International Renewable Energy Agency (IRENA). (2024). Renewable Capacity Statistics 2024. Abu Dhabi: IRENA.

6.  United Nations Environment Programme (UNEP). (2024). Emissions Gap Report 2024: Broken Record – Temperatures hit new highs, yet world fails to cut emissions (again). Nairobi: UNEP.