جسدُ الفلسطيني

26 مايو 2026
+ الخط -

لا بدّ لمن قرأ شهادات المعتقلين الفلسطينيين في تقرير نيكولاس كريستوف، بصحيفة نيويورك تايمز، أن يتساءل بعد الغضب والاشمئزاز: لماذا تصرّ سلطة الاحتلال على المضي إلى ما هو أبعد وأشدّ إيذاءً من القتل نفسه؟ قد تكون الإجابة في ما كتبه الفيلسوف الفرنسي موريس مرلو بونتي عن الجسد، وأنّه ليس مجرّد آلة تسكنها الروح، بل هو الطريقة الوحيدة التي يكون بها الإنسان في العالم. نحن لا نملك أجساداً، بل نحن أجساد. هكذا، يُرمى المعتقل الفلسطيني في زنزانته وقد سُلبت منه حرّيته وصوتُه وحقُّه في المحاكمة، ولم يتبقَّ له سوى جسده الذي نشأ في بيت، وحمل اسماً، عرفه أهلٌ وأحبّاء، وبات الحدّ الأخير بينه وبين العدم. فيأتي المحتلّ وينتهك آخر ما يملك كي يُفهمه: أنتَ لا شيء، حتى جسدك لم يعد لك!
لقد وثّق تقرير كريستوف شهادات 14 ضحية، من بينها شهادة صحافي فلسطيني اعتُقل عام 2024، روى فيها كيف اعتُدي عليه جنسياً وهو مقيّد ومعصوب العينين. وروت امرأة أنّ الحرّاس كانوا يدخلون في بداية كلّ نوبة حراسة، يعرّونها ويعتدون عليها. وأفادت أخرى بأنّ صورها خلال الاعتداء عُرضت عليها وهُدِّدت بنشرها إن هي رفضت التعاون مع الاستخبارات. وقال المسؤول الفلسطيني، محمّد مطر، إثر خروجه من السجن: "خلال ستّة أشهر، لم أستطع أن أقول شيئاً، حتّى لعائلتي"، وكان يعني الاعتداء جنسياً عليه، ذلك أنّ الجرح الذي يُخرس الإنسانَ، جرحٌ يسكن أعمق من اللّحم، ويدوم أبعد من أسوار السجن.
والحال أنّ ما يجري داخل السجون الإسرائيلية ليس فوضى حرب يرتكبها أفراد. إنّه نظام بكلّ معنى الكلمة، يعرف تماماً ما يفعله وما يبتغيه. درس ميشيل فوكو، مطوّلاً، كيفية استخدام السلطة الجسدَ أداة للسيطرة: السلطة لا تكتفي بحبس الجسد، إنّها تريد ترويضه، كسر علاقته بذاته، وجعله يعيش الهزيمة من داخله، قبل إطلاق سراحه. أمّا فرانز فانون، فكتب عن المستعمَر الذي يتعلّم أن يكره جسدَه، قبل أن يكرهه سواه. نعم، الاحتلال يسعى إلى استنبات الهزيمة من الداخل عبر تحويل الأسير شاهداً على ذلّه، وجعله يحمل في داخله سجّاناً يصعب إسكاته. ثمّة شعور بالعار لدى الأسرى الذين تعرّضوا للانتهاك الجنسي، يحملونه معهم بعد خروجهم، كآخر هدايا الاحتلال لهم.
من الجانب الآخر، لا بدّ من التساؤل: كيف يتمكّن الجندي الإسرائيلي والمستوطن المعتدي من فعل ما يفعلانه من دون أي رادع أخلاقي؟ قالت حنّة أرندت إن الشرّ الأكبر لا يصدر دائماً عن وحوش، وإنّما عن بشرٍ عاديين قرّروا أن يكفّوا عن التفكير. هكذا ربّما يُقنع الجندي (أو المستوطن) نفسَه بأن من يقف أمامه ليس إنساناً بشكل كامل، طالما زوّدته المؤسّسة بلغة حوّلت الضحية إلى عدوّ مجرّد من الملامح، والجلّادَ إلى إنسان قرّر ألّا يتخيّل ألمَ الآخر. والحقيقة أنّ تقرير كريستوف يكشف هذا الإفقار الأخلاقي الذي بات مناخاً كاملاً ترعاه مؤسّسة، وتحميه قرارات، ويكافئه إفلاتٌ من العقاب. هذا ما جرى على سبيل المثال عندما أُسقطت التهم عن الجنود الخمسة الذين اعتدوا على أسيرٍ فلسطيني، وأصدر نتنياهو تصريحاً مؤيّداً. لقد وُجّهت الرسالة إلى الضحايا بالطبع، ولكنّها بُلِّغت خصوصاً إلى المعتدين: افعلوا ما تشاؤون، الجسد الفلسطيني لا يهمّ فعلاً، ولن تحاسَبوا عليه.
أخيراً، كشف مقالُ كريستوف المعلوم لكن المسكوت عنه. فتقارير الأمم المتحدة كانت موجودة، وشهادات المحامين كانت موجودة، ومنظّمة بتسيلم الإسرائيلية نفسها وثّقت ووثّقت. العالم كلّه تقريباً كان يعرف، لكنّه اختار الصمت. مقال كريستوف كسر هذا الصمتَ، فجاء ردُّ نتنياهو بأنّه سيقاضي الصحافي والصحيفة على السواء، وكأنّه بذلك يُقاضي الصمت.

نجوى بركات
نجوى بركات
كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف "كيف تكتب رواية"