"ثقافة قتل النساء"

14 يوليو 2026

غالباً ما يجري الحديث عن ثقافة "قتل النساء بدافع جندري" (femicide) بوصفها ظاهرة قضائية وأمنية بامتياز: قوانين متساهلة، تحقيقات مهمِلة أو بطيئة، أحكام مخفَّفة بذريعة "الشرف" أو "غسل العار" أو "الجريمة العاطفية". إلّا أنّ محدودية هذه النظرة ستبرز لدى قراءة عمل المؤرّخ الفرنسي إيفان جابلونكا (أستاذ التاريخ في جامعة السوربون) الذي يقترح، في كتابه الصادر حديثاً بعنوان "ثقافة قتل النساء" (La culture du féminicide)، زاويةَ نظر مختلفة جذرياً، قوامها أنّ قتل النساء ليس إلا نتاج مخيالٍ جماعيّ تشكّل عبر آلاف السنين، ونحن نعايشه يومياً من دون أن نفطن إليه، ابتداءً بكتاب التوراة، وصولاً إلى أعمال "نتفليكس".
والحال أنّ جابلونكا يرى أنّ الفنون كلّها، بما فيها الأسطورة والفنّ التشكيلي والمسرح والسينما والأغاني، قد جعلت من "مشهد قتل المرأة" ركيزةً بصريةً وسرديةً متكرّرةً، حتّى أصبحت جزءاً من "قواعد اللغة" التي نروي بها قصصنا ونصنع أفلامنا. ولا يقتصر الأمر على التمثيل الواقعي للجريمة، إذ يتجاوزه إلى تمثيلٍ رمزيّ يكاد يكون أكثر خطورةً، إذ يُحوَّل جسدُ المرأة القتيلة إلى مادّة جمالية (تعرية الجثّة، تفكيك الجسد، "الميتة الجميلة" الممدّدة كلوحة، اختفاء المرأة في خدعة السحر، تفكّك الروبوت الأنثوي في الخيال العلمي، ... إلخ). بعبارة أخرى، كلّما "جمّلنا" مشهد موت امرأة، بدلاً من تصويره بوحشيته الحقيقية وقسوته، نكون قد شاركنا، من دون وعي منّا، في تطبيع الفعل نفسه وجعله اعتيادياً.
وفي قراءته هذه، يقترح جابلونكا مطالعةً تاريخيةً تتتبّع ثلاث مراحل تتردّد عبر النصوص والصور: العنف المُجنسَن (تحويل جسد المرأة إلى موضوع رغبة قبل قتلها)، ثمّ التمثيل بجسدها تشويهاً، وأخيراً فعل القتل بوصفه الذروة "الدرامية" للحكاية. ولا يقتصر هذا التسلسل، كما يُظهره الكتاب، على الروايات البوليسية أو أفلام الرعب، بل نجده مكرّراً في مصادر تُعدّ "كلاسيكيةً"، ما يؤكّد أنّ المشكلة ليست في هامش الثقافة، بل في متنها.
والواقع أنّ عمل جابلونكا لا يأتي من فراغ، إذ يلتقي مع أعمال باحثين وباحثات ناقشوا الموضوع نفسه من زوايا مختلفة، وفي مقدمتهم المؤرّخة كريستيل تارو التي طوّرت مفهوم "الاستمرارية الفيمايسيدية" مُظهرةً أنّ قتل المرأة ليس حدثاً منفصلاً بقدر ما هو خاتمةُ سلسلةٍ من العنف المُتدرِّج (السيطرة، المضايقة، العنف المنزلي) الذي يُتغاضى عنه في مراحله الأولى. وكذلك الكاتبة جنيفر تاماس التي تناولت في أبحاثها ("لا المرأة")، كيفية صياغة صوتها الرافض في الأدب الكلاسيكي، حيث يُقرأ دائماً بوصفه تمنّعاً بهدف الإغراء واستدعاءً لمزيد من الإصرار، بدلاً من عَدّه رفضاً صارماً ووضع حدٍّ ينبغي احترامه. مثل هذه التقاطعات تمنح كتاب جابلونكا وزناً إضافياً باعتباره جزءاً من موجة بحثية تعيد النظر في الإرث الثقافي الغربي، بدءاً من الميثولوجيا الإغريقية، وصولاً إلى الأدب الكلاسيكي.
وقد يبدو الكتاب معنياً بالمخيال الغربي حصراً. بيد أنّ سؤاله الجوهري يظلّ عابراً للثقافات حين يتساءل كيف تتحوّل جريمة قتل امرأة إلى "حدث متوقَّع"، أو إلى "أفق انتظار" في نصّ أو صورة، بدل أن تبقى ما هي عليه في الحقيقة، أي فضيحة أخلاقية تستوجب الغضب والاستنكار. هذا ما يسمّيه جابلونكا "التطبيع عبر الجماليات"، وهو ما يملك في نظرنا صدًى في السياق العربي حيث يتقاطع "القصّ الشعبي" مع الدراما التلفزيونية، وأحياناً يرافق الأدبَ نفسَه خطابٌ قانوني وشعبي عن "الدفاع عن الشرف" الذي يظلّ، حتّى يومنا هذا، همّاً، بل عبئاً تشريعياً في أكثر من بلد عربي، على الرغم من تعديلات أُجريت على بعض القوانين.
أخيراً، لا بدّ من الاعتراف بأنّ كتاب جابلونكا، على قيمته، يطرح سؤالاً مربكاً ومحيّراً: ماذا لو كانت روائعنا الفنّية الكُبرى قد علّمتنا أن نتسامح مع ما لا يُحتمل، حين "جمّلت" العنف الممارَس على النساء، وجعلته "مقبولاً" ومتوقَّعاً إلى هذا الحدّ؟ والله أعلم.

نجوى بركات
نجوى بركات
كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف "كيف تكتب رواية"