تعليقات على مجتمع الاستعراض
عندما نشر الكاتب والسينمائي الفرنسي غي ديبور (1928-1994) كتابه "تعليقات على مجتمع المشهد/ الاستعراض"، عام 1988، اعتبر كثيرون نصَّه سوداوياً وذا رؤيةٍ متشائمةٍ تشكو من المبالغة. واليوم، بعد ما بلغنا ما بلغناه من استعراضيّة في عصر وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، اتّضح أن الرجل لم يكن متشائماً بقدر ما كان صاحب بصيرة، فالبنية المشهدية، أو الاستعراضية كما وصفها، لم تعد مجرّد ظاهرة ثقافية أو إعلامية، إذ أصبحت الشكل المهيمن لتنظيم الحياة الاجتماعية في مستوياتها كافّة، ذلك أن منطق مجتمع الاستعراض ليس إظهار ما نحتاج إلى معرفته، بل إشباع الفضاء العام من أجل إخفاء ما لا يريد "المجتمع" إظهاره. أجل، تنبّأ ديبور بعالم تُصبح فيه الوسائط البصرية أهم من التجربة نفسها، وهو بذلك قد توافق مع والتر بنيامين في كتابه "العمل الفنّي في عصر إعادة إنتاجه تقنياً"، إذ شرح المفكّر الألماني كيف أصبحت قيمة الشيء تُقاس بعدد النسخ التي تُنتج منه. وهو بالضبط ما نعيشه حالياً، حين يمرّ كلُّ حدثٍ في عدّة طبقات من التحرير والانتقاء والصياغة قبل أن يصل إلينا. نعم، لم يعد المشهد/ العرض زينةً تُضاف إلى العالم، وقد تحوّل إلى الإطار الذهني والاجتماعي الذي نتلقّى من خلاله كل شيء، وإلى مرآة تُقدِّم الوجود باعتباره تمثيلاً متواصلاً يجعل الظهور أهم بكثير من الكينونة.
لقد رأى ديبور الملامح الأولى لاندماج الاستهلاك والمعلومات والترفيه في آلة واحدة، وجاءت منصّات التواصل الاجتماعي لتدفع هذا الاندماج إلى أقصاه. فالاقتصاد لم يعد منشغلاً بالترويج للسلع وبيعها، إذ بات يجذب الانتباه، ويوجّه السلوك، وينظّم العلاقات. هكذا حوّل كل شعور، وكل رغبة، وكل فكرة، بياناتٍ قابلة للاستثمار، وصارت الهويَّة الرقمية التي كانت في البداية مجرّد ظلّ للحياة الواقعية، ذاتاً موازيةً تُحدّد أنماط العيش وطرق الفهم. الفرد لم يعد يعيش ببساطة، إنه "يُعرَض" بصورة دائمة، وتُقاس قيمته لدى الآخرين، لا بل قيمته في المطلق، بمدى التفاعل الذي يثيره، وبمقدرته على الظهور داخل المشهد/العرض المتواصل.
منذ ثمانينيّات القرن الماضي، أشار الكاتب الفرنسي إلى تهالك الحوار العميق أو النقاش الحقيقي، في مقابل صعود مسرحٍ سياسي تُصنع فيه الخصومات وتُصاغ الآراء بشكل مسبق، وما نشهده اليوم يتجاوز هذا التوقّع بكثير. فالاستقطاب الرقمي يصنع جماعات منقسمةً حول رموز صُمّمت لإثارة الغضب أكثر ممّا صُمّمت للفهم، ما حوّل الاستياء والغضب سلعةً، وحوّل الاحتجاجات والأزمات إلى محتوى قابل للاستهلاك، بحيث تتناوب الأحداث السياسية والاجتماعية وفق منطق الانتشار الفيروسي، لا بناءً على التحليل الواعي أو الرغبة في التغيير. الواقع لا يُحجب فقط، إنما يُستنزف ويُعاد تشكيله باستمرار داخل دائرة مغلقة من الصخب والأداء.
ويرتبط حدْس ديبور بامتداد الرأسمالية إلى المجال الحميمي للنفس البشرية، إذ أصبح النظام الاقتصادي يتحكّم أيضاً بالرغبات والمخاوف والعلاقات والتوقّعات. ومع تطوّر التكنولوجيا الرقمية، باتت الشركات الكبرى تمتلك معرفةً دقيقةً بنقاط ضعف الأفراد، أي ما يطمئنهم ويخيفهم، ما يثيرهم ويجعلهم أسرى تفاعل مستديم لا ينتهي. ذلك أن العواطف نفسها عوملت مادّةً خامَّاً قابلة للتحفيز والقياس والتوجيه، فيما تتعرّض الذات المستقلّة المقاوِمة إلى هزّات عميقة نتيجة المقارنة الدائمة، وضرورة الظهور، وضغوط التقييم المستمرّ.
لقد كشفت الأزمات البيئية والسياسية والاجتماعية المعاصرة كيف يستطيع المشهد/العرض تغطيةَ جوهر الأمور، من خلال حجب الأسباب العميقة للأزمات، مع تحويلها ضوضاءَ آنيةً، مجرّد مادة بصرية تُنتج وتُوزّع، تُستهلك ثمّ تُنسى، دونما تأثير فعلي في السياسات. ففي عالم تهيمن فيه الصورة على الفعل، يصبح التغيير الحقيقي أصعب، والزمن السياسي زمناً قصيراً مقطّعاً ومجزّأً، غير قادر على حمل مشروع طويل الأمد، أو على إنتاج ذاكرة.
والحال أن ديبور لم يقدّم حلولاً جاهزةً، لكنّه لمّح إلى أن مقاومة الكارثة تبدأ باستعادة الحياة الحقيقية التي لا تمرّ بالضرورة عبر وسيط، ولا تُختزل إلى تمثيل، بل تبدأ باستعادة العلاقة المباشرة، والانسحاب الجزئي من واجب الظهور، التباطؤ، وابتكار طرق عيش متفلّتة من منطق السوق والصورة.
إن إعادة قراءة ديبور اليوم هي إدراك أنّ المشهدية الاستعراضية باتت تشكّل بنيةَ سلطةٍ كاملةً، وأن استرجاع الواقع يبدأ برفض بسيط: ليس للمنصّات والصور والسرديات الجاهزة أن تحدّد ما يجب أن نراه، أن نفكّر فيه، أو أن نصبح عليه.