ترامب والعصر اللبناني

20 يونيو 2026

ترامب يتحدث للصحافة في لقاء مع السيسي على هامش قمة السبع في إيفيان (17/6/2026 Getty)

أن يتحدّث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بهذه البساطة عن دعوة القوات السورية إلى العودة إلى لبنان مجدّداً، وهذه المرّة لقتال حزب الله، فذلك يعني أنّه يسعى إلى تظهير مشهدية لا تفارق الوعي السياسي اللبناني منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/ شباط 2005. بعد اغتياله، خرج الجيش السوري، في عهد الرئيس المخلوع بشّار الأسد، من لبنان في 26 إبريل/ نيسان 2005، وفُرضت مرحلةٌ جديدةٌ لم تفضِ إلى تثبيت لبنان استقلاله دولةً ونظاماً وشعباً. بعد 21 عاماً، يُعيد ترامب الأمور إلى نقطة البداية: ماذا لو أنّ وجود جيش سوري في لبنان، ولو بنظام مغاير لنظام آل الأسد، يسمح بطيّ صفحة حزب الله؟ حقيقةً، قبل الإجابة عن هذا التساؤل، لا بدّ من إدراك أنّ غياب الدولة بوصفها دولةً، وعجزها عن فرض رؤيتها، سيُسهم لا في دعوة ترامب السوريين إلى دخول لبنان، بل أيضاً قد تظهر دعوات أخرى لقادة آخرين لإنهاء مشكلةٍ ما في لبنان.

غنيّ عن القول إنّه في القوانين الواقعية بإطلاق، خصوصاً شريعة الغاب، تتحكّم قوّتُك وضعفُك بنظرة الآخرين إليك وسلوكهم. في الحالة اللبنانية، أضعفت الدولة نفسها على مدار عقود، وسمحت داخلياً بالتحوّل إلى هيكل مفكّك. البقيّة معروفة: تأثير الدومينو أو كرة الثلج. لكن حالياً، وفي كلّ مفصل، سواء أكان على مستوى فردي أو جماعي، على المعني التوقّف لحظة وفهم ما يريده، لا أن يترك الأمور سائبةً أو متروكةً لنوع من العشوائية. في لبنان اليوم، لا يتحمّل كثيرون ممَّن هم حالياً في موقع المسؤولية تراكمات السنوات الماضية، لكنّهم في المقابل يتحمّلون مسؤولية اتخاذ قرار شجاع يقضي بترجمة مقرّرات سابقة تتعلّق بحصر السلاح في لبنان، يُنهي مساراً انحدارياً لن يؤدّي إلى إنقاذ البلاد، ولا حتّى إنقاذ كيانها.

تنطلق المسؤولية من التحدّث بواقعية. هل يمكن للدولة أن تنفّذ قرار حصر السلاح حتّى لو تذرّعت بمنع الانزلاق إلى حرب أهلية؟ هنا، عليها أن تكون واضحةً مع نفسها قبل أن تكون واضحةً مع شعبها والخارج، والإقرار بأنّ لا قدرة لها على سحب أيّ قطعة سلاح في لبنان، لأنّ الأمر لو كان مقتصراً على تسليح الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية، لما تحجّجت الدولة بالسلم الأهلي، بل لكانت قد سلكت درب تطبيق قرار حصر السلاح. هنا ينتفي مفهوم "حماية السلم الأهلي"، وتصبح المسألة مرتبطةً أكثر بالتفاهمات الداخلية اللبنانية التي تتجاوز القوانين والقرارات، ومنح كلّ طرف ما يُرضيه، والاعتماد على النسيان أو على التحوّلات في مسلسل تأجيلات لا ينتهي، حتّى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

مثل هذه الدولة، بوسعها أن تكون صريحة أمام شعبها وأن تعترف بعجزها عن فعل شيء جدّي، لأنّه في حال زار رئيس الجمهورية جوزاف عون واشنطن خلال أسبوع أو أسبوعين، كما أشار نظيره الأميركي دونالد ترامب مساء الأربعاء الماضي، فلن يكون اللقاء للتعارف بقدر ما سيحسم ترامب أمره في الملفّ اللبناني. وعليه، فإنّ إشارة الرئيس الأميركي إلى احتمالات دخول الجيش السوري لبنان أقرب إلى ضغط سياسي على الدولة اللبنانية: "هل بوسعكم القيام بما التزمتم به أم لا؟". الخيارات صعبة، باعتبار أنّ الموروثات المدمِّرة لقوّة النظام اللبناني لا تسمح بنشوء حالة دولتية قوية إلا بقدر ما يتحمّل أركان هذه الحالة الضربات والصمود، ثمّ الهجوم. البديل من ذلك هو تعدّد خيارات ترامب، من تدخّل سوري إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي، إلى تكليف دولة ما الملفّ اللبناني.

ما يجب قوله إنّ القضية اللبنانية تتجاوز ترامب وأميركا وإيران وغيرهم، بل متّصلة حتماً بتركيبة الدولة اللبنانية، وبمدى وجود نيّة لدى حكامها في صياغة قرارات مستقلّة، عبر فرضها باسم "الشعب اللبناني"، ووفق القوانين اللبنانية. في المقابل، من المحرج تصوّر أنّه يمكن تحريك ملفّات سياسية بقبلة على الخدّ أو ببيتَين من الشعر، خصوصاً أنّ معظم الطاقم السياسي اللبناني يملك ذهنيةً لا تفكّر أبعد من انتخابات محلّية أو حسابات مصلحية ضيّقة. قد يكون ذلك مفهوماً لو أنّ هؤلاء مهتّمون حصراً ببلداتهم ومدنهم، لا على امتداد لبنان. سيكون ترامب واضحاً مع عون في واشنطن. سيلوّح أمامه بورقتَين: سورية وإسرائيلية، مهما كانت ردّات فعل دمشق وتل أبيب. سيتذكّر عون نفسه كيف كان الأمر عليه في لبنان حين كان جندياً ثمّ قائداً للجيش. المشكلة أنّ الوقت يضيق والواقع أكبر من التمنّيات، رغم صعوبة مهمّة استعادة نفوذ الدولة.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في صحيفة "العربي الجديد".