ترامب فوق الشجرة
لم يتوقف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منذ إعلان الوقف المؤقت لإطلاق النار مع إيران، عن توجيه الإنذارات وتحديد مهل زمنية، لا يلبث أن يتراجع عنها، معللاً ذلك بطلباتٍ وتمنيّاتٍ من طرف هنا أو هناك، لإعطاء الدبلوماسية "فرصة أخيرة".
أحدث هذه الفرص أخيراً الاثنين الماضي، وبحسب ما أعلن ترامب نفسه، كانت القوات الأميركية ستوجه ضربات إلى إيران يوم الثلاثاء، إلا أن طلبات من أمير قطر وولي العهد السعودي ورئيس الإمارات دفعته إلى التأجيل. الأمر نفسه حصل مرّتين سابقاً، لما جاء طلبا تمديد المهلة من المسؤولين الباكستانيين.
نحن اليوم أمام مهلة أخرى، أو "فرصة أخيرة" كما يحلو لترامب تسميتها. من المفترض أن تنتهي هذه المهلة بغد غدٍ الأحد أو الاثنين، فالرئيس الأميركي لم يحدّد تاريخاً بعينه، وتحدث عن ثلاثة أيام ثم نهاية الأسبوع أو أول الأسبوع لتلقي رد من إيران على الرسائل الأميركية المعدلة. ومن المتوقع أن تواجه هذه المهلة مصير سابقاتها، وأن يمدّدها الرئيس الأميركي، متذرعاً بتقدّمٍ في المفاوضات الجارية عبر الوسيط الباكستاني، مدعماً موقفه بتسريباتٍ عن الاقتراب من التوصل إلى إنهاء الحرب، وهي غالباً ما تظهر غير صحيحة.
الوضع الحالي مشابهٌ إلى حد كبير لموعد نهاية المهلة السابقة، فعادت التسريبات عن قرب التوصل إلى اتفاق إطاري، وأن تقليص الفجوات بدأ يحدث، بالتزامن مع زيارات مسؤولين باكستانيين طهران، وهو ما سيدفع ترامب إلى تبرير تأجيل فرصته الأخيرة مرّة أخرى.
تؤكّد كل هذه المهل والفرص والتأجيلات واقع أن ترامب عالقٌ فوق شجرة الشروط والمطالب التي يريدها من إيران، والتي تغذّيها الإعلانات المتتالية للانتصار على إيران وتدمير قوتها العسكرية، والتي لا أحد يصدّقها، وفي الوقت نفسه هو غير راغب في العودة إلى الحرب واستئناف الضربات العسكرية، مع ما ستحمله من تداعياتٍ أمنيةٍ على العالم، إضافة إلى الانعكاسات الاقتصادية على الداخل الأميركي.
ينتظر ترامب اليوم سلّماً للنزول عن هذه الشجرة، غير أنه لا يزال يضع شروطاً لشكل هذا السلّم وطوله وعرضه، ليكون هذا النزول مشرّفاً. وهو يترقب من الإيرانيين تأمين هذه الشروط باعتبار أن هذا سيكون مفيداً للطرفين، غير أنه، في الوقت نفسه، غير مستعد لتقديم أي مكاسب آنية لإيران، ويؤجلها إلى نتائج المفاوضات النهائية أو ما بعد المرحلة الأولى من الاتفاق الإطاري ومدى الالتزام به. ولكن هذا الاتفاق الإطاري الذي يجري الحديث عنه لا يبدو أنه قريب، ولن يحصل قبل نهاية المهلة التي وضعها ترامب. فمن الواضح أن طهران ليست في وارد تأمين مخرج مريحٍ للرئيس الأميركي، وخصوصاً مع بقاء سقف المطالب الأميركية عالياً، ورفض واشنطن قبول أيٍّ من المطالب الإيرانية، التي تعتبرها طهران "حقوقاً".
لا تزال الفجوة التفاوضية شاسعة، ومهما حاول الوسيط الباكستاني جسرها، ستبقى شروط الطرفين متباعدة، وحتى متناقضة. فإيران لا تزال مصرّة على مواصلة حقها في تخصيب اليورانيوم، حتى إنها نفت معلومات سابقة عن نيتها تجميد العملية 15عاماً. كما أنها ليست في وارد تسليم اليورانيوم المخصّب للولايات المتحدة أو أي طرف ثانٍ، مع الإصرار على الحصول على تعويضاتٍ ووقف الحرب على جميع الجبهات.
هناك في الإدارة الأميركية من يحاول خفض سقف شروط ترامب، وهو ما ظهر في حديث نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، أن الولايات المتحدة لم تطلب نقل اليورانيوم إليها أو إلى أي بلد آخر، رغم أن ترامب قال هذا في أكثر من مناسبة. ورغم هذا، فإن أياً من الموجودين في الإدارة ليس في وارد الموافقة على المطالب الإيرانية التي تُعَدّ تسليماً بانتصار إيران بعدما كان الحديث عن استسلامها.