ترامب المُؤدَّب في الصين
جرت أنهار من الكلام عن المعجزة الصينية في الإنتاج الصناعي والرقمي، حتّى صارت المهيمنة على العالم، لكنّ التاريخ سوف يذكر أنّ أهمّ منتجات العملاق الصيني هي تلك النسخة المؤدّبة من الرئيس الأميركي المشهور بوقاحته وعجرفته وإهاناته المتعمّدة قواعد البروتوكول السياسي بين الدول. يمكن، من دون مبالغة، الزعم إنّ نسخة دونالد ترامب التي ظهرت في زيارته التاريخية العاصمة الصينية إنتاج إيراني صيني مشترك، إذ سلمته طهران بصمودها وتحدّيها جبروته المجنون مكسوراً مشروخاً في مرآته الداخلية وفي مرآة العالم كلّه، بعد أن غرق في مستنقع العدوان على إيران للشهر الثالث على التوالي، وهو الذي أعلن في بداية الحرب أنّ الأمر لن يستغرق سوى ساعات حتّى تسقط إيران تحت قدميه طالبةً العفو والسماح.
من هنا، لا تفسير لإلحاح دونالد ترامب وفريقه المعاون على أنّ المسألة الإيرانية لم تكون موضوعاً رئيساً في زيارة بيكين سوى أنّ إيران كانت الدافع الأوّل، وربما الوحيد، للرئيس الأميركي لكي ينشد الحلّ والغوث من الصينيين. وليس تصريح مارك روبيو وزير خارجية ترامب إنّهم لا يحتاجون مساعدة أحد في معالجة الصراع مع إيران سوى إثبات بالنفي لغرق الإدارة الأميركية في مياه الخليج.
منذ ظهور ترامب الأوّل على مسرح السياسة الدولية، رئيساً للولايات المتحدة، والحرب على الصين شغله الشاغل وقضيته الأولى التي ألبسها ثياباً كهنوتية، معلناً نفسه المكلفّ المختار من السماء لخوض الحرب التجارية على بيكين، وذلك حين وقف في 21 أغسطس / آب 2019 ليبشّر أميركا والعالم بأنّه "الشخص المختار" لشنّ هذه الحرب "كان على شخص ما أن يتولّى تلك المهمة"، ثمّ رفع رأسه إلى السماء ونظر إلى الأعلى وقال: "أنا الشخص المختار".
أمضى ترامب فترة رئاسته الأولي محارباً الصين باعتبارها مصدر الشرور والأخطار، ولم يكن يمرّ يوم من دون أن يتّخذ إجراءات وقرارات تجارية وجمركية ضدّ العملاق الأصفر، وهو ما استمرّ معه منذ بدء رئاسته الثانية، بل إنّ العداء المرتعش للصين كان حاضراً في عمليات الغزو والقرصنة التي قامت بها إدارة ترامب ضدّ فنزويلاً، ثمّ إيران، إذ كان هاجسه الأكبر الهيمنة المطلقة على كل ما يمكن أن يكون حليفاً أو صديقاً للصين من الدول ذات الوفرة في النفط والمعادن، غير أنّه، بعد هذا الصمود المذهل للإيرانيين في وجه الحملة الأميركية الصهيونية، بعثر كلّ حسابات ترامب وأفكاره، وبشكل خاص في الجزء المتعلّق بمضيق هرمز الذي فشلت واشنطن في السيطرة عليه، وتحطّمت هلاوس ترامب في الاستحواذ عليه وتغيير اسمه إلى"مضيق ترامب". في هذه الأجواء، وجد ترامب نفسه مرغماً على اللجوء إلى الصين، بالنظر إلى عمق علاقاتها بطهران باحثاً عن حلول، أو بالأحرى ضغوط على طهران، ومن هنا كان على هذه الهيئة من أدب الجبناء والانتهازيين، ملتزماً قواعد البروتوكول السياسي في كلّ حركاته وسكناته.
تفرض المقارنة نفسها بين أداء ترامب مع الزعماء الأوروبيين، سواء في زياراته أو استضافته لهم، وأدائه مع الرئيس الصيني، وهنا تحضر الصورة المهينة لقادة أوروبا إذ يجلسهم ترامب أمامه مثل صغار الموظّفين في المكتب البيضاوي، حين دعاهم إلى اجتماع بشأن الحرب الأوكرانية الروسية، وهي الصفاقة نفسها التي مارسها مع ملوك ورؤساء كثيرين زاروه وزارهم، إذ يحرص طوال الوقت على إظهارهم في صورة التابعين له الذين يأمرهم فيطيعوه، وينعم عليهم بألقاب ومسمّيات بعضها خادش للحياء. ذلك كلّه انتهى في زيارة الطاووس الأميركي الأعرج إلى الصين التي لم ترقص معه على أغنية "God bless the USA”، ولم تفتح خزائنها وتغرف له، بل إنّ وزير خارجيته الصهيوني المغرور، مارك روبيو، اضطر إلى تغيير اسمه كي يتحايل على قرار منعه من دخول الأراضي الصينية منذ كان عضواً في الكونغرس عام 2020، وبالتالي، تمكّن من مرافقة رئيسه في الزيارة.
ما كان ذلك كلّه ليحدث لو أنّ إيران سلّمت نفسها وخضعت واستسلمت من أول ضربة، لكنّها فاجأت الصلف الأميركي بالردّ على كل ضربة بضربة، وأفقدته صوابه بأدائها اللافت في الشق السياسي من الواجهة.