تجزئة الحرب لا إنهاؤها
سُئل كاتب هذه الزاوية عن توقّعاته عند بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. كان السؤال هل ستطول؟ ثمّ تراجعت وتيرة العمليات العسكرية كمّاً ونوعاً، وانطلقت مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. وظنّ بعض المتابعين أنّ الحرب انتهت بلا رجعة، مع تحوّل القصف الجوي الأميركي الإسرائيلي ضدّ إيران من موجات متتالية ومستمرّة إلى هجمات أميركية فقط وعلى نحو متقطّع. غير أنّ الواقع الفعلي في شاطئي الخليج العربي يحمل من التوتّر وعدم الاستقرار ما يكفي للقلق بشأن المستقبل على مستوى الأطراف المباشرة المنخرطة في الحرب، وأيضاً على مستوى الخليج والشرق الأوسط، بدليل استمرار الاستنفار العسكري والانتشار المكثّف في مياه الخليج وبعض دول المنطقة.
وليست حالة التأهّب القصوى للقطع البحرية والقواعد الأميركية، المنتشرة في الشرق الأوسط والمحيط الهندي، سوى مؤشّر بالغ الدلالة على أنّ تهديد دونالد ترامب غير مرّة بتوجيه ضربات أشدّ عنفاً وقسوة من السابقة ضدّ إيران، ليس مجرّد تهديد أجوف. فحتى إن كان ترامب يناقض نفسه كثيراً، ويتبنّى خطاباً قد لا يطابق السلوك الفعلي؛ إلا أنّ نشر القوات ورفع حالة الاستعداد وتحريك حاملات الطائرات والقاذفات الثقيلة... كلّها مسائل تتجاوز، في تكلفتها المادّية ودلالتها الاستراتيجية، حدود التهديد والشعارات، خصوصاً أنّ مدخلات القرار الأميركي فيما يتعلّق بنشر القوات في الخارج، وقيامها بعمليات عسكرية ولو محدودة، تتّسم بالتعقيد، ومحاطة بقيود أبرزها الحسابات الانتخابية وتركيبة الكونغرس.
الوضع الحالي لا يعني انتهاء الحرب، ولا هو مقدّمة لإنهائها. فطهران لم تُهزم وواشنطن لم تفز، رغم تراجع وتيرة المواجهات بشكل كبير، كما أنّ المعارك بين إسرائيل وحزب الله مستمرّة بالتوازي، مع تتالي جولات المفاوضات بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل. المشهد الحالي في المنطقة هو "معارك متقطّعة" تتخلّلها هدنات مؤقّتة لإجراء جولات تفاوضية شكلية لا أكثر. وليس متوقّعاً التوصّل إلى إطار توافقي للتسوية لسبب بسيط، هو أنّ الحدّ الأدنى الحقيقي المقبول لدى طرف يتعارض جذرياً مع ذلك الخاصّ بالطرف الآخر، لكن لأنّ كلاً منهما عاجز عن إنزال هزيمة كاملة ونهائية بالطرف الآخر، يضطر إلى التفاوض من دون إرادة حقيقية للتوصّل إلى تسوية؛ بخاصّة في ظلّ الرفض المتبادل والمشترك لتلبية كلّ طرف الحدّ الأدنى المقبول من الآخر.
وهناك عوامل أخرى تعزّز هذا الوضع المعقّد المعلّق، منها معدّلات نفاد الذخائر والصواريخ والمسيّرات، ما يعني أنّ استهلاك الوقت مطلوب بذاته لاستعادة القدرات القتالية والموارد التسليحية والدعم اللوجستي الكافي. ولا يتعارض مع هذا المنطق أنّ كلا الطرفين يمارس لعبة عضّ الأصابع، على أمل الوصول إلى لحظة مواتية لإحراز نصر ينهي الحرب، إضافة إلى عنصر المرونة الإجبارية التي اضطرت إليها واشنطن تحديداً، بعد أن دفع سوء التوقّع الأميركي لقدرات إيران العسكرية إلى تعديل أهداف الحرب مرّات عديدة، أو بعبارة أدقّ، خفض سقف تلك الأهداف، من تصفية البرنامج النووي وإسقاط النظام وتدمير القدرات الصاروخية، وبالتالي، إنهاء النفوذ الإقليمي القائم على شبكة الوكلاء والأذرع، وصولاً إلى مجرّد "تجميد" البرنامج النووي أعواماً، وفتح مضيق هرمز.
ما يجري في الخليج هو تفكيك للحرب، أهدافها وإجراءاتها، وبالتبعية، نتائجها التي لا تحظى حتى الآن برضا أيّ من المتحاربين، ولذا فإنّ هذه المعارك المتقطّعة قابلة للتحوّل نحو مواجهة عسكرية شاملة وليست جزئية، كما هو الحال. وسيحدث ذلك فور اقتناع أيّ من الطرفَين بأنّه بات يملك قدرة كافية على إنزال هزيمة عسكرية شاملة بالآخر، حتى ذلك الحين ستستمرّ المعارك المتقطّعة بالتبادل مع هدنات مرحلية ومفاوضات مؤقّتة.