بوتين وترامب... الرسائل والإشارات
ترامب وبوتين في أنكوريج بولاية ألاسكا الأميركية (15/8/2025 Getty)
تنشغل وسائل الإعلام غالباً بتحليل الإشارات والرسائل الرمزية خلال لقاءات القمّة، ولعلّها تبالغ أحياناً (وإن كانت محقّة من حيث المبدأ). رغم أن ذلك كلّه (الإشارات والرسائل) لا يغيّر شيئاً في أرض الواقع، بل يموضعه في سياق مختلف، يفسّر ولا يغيّر، فثمّة عصفور سقط عن الشجرة بعيار ناري، وليس ثمّة معنى كبير في رصد حركة سقوطه ودورانه حول نفسه، ففي النهاية ثمّة عصفور سقط بعيار ناري، وسوى ذلك له علاقة بالسيمياء، أو علم الدلالات.
يبدو بوتين مغرماً بهذه الأمور، الرجل القادم من إرث إمبراطوري وثقافي مثقلٍ بالرموز لا يستطيع التحرّر من الإشارات، وأحياناً كثيرة يتعمّد إرسالها، فخلف نظرته الباردة ثمّة ابتسامة غامضة وساخرة على الأغلب تلوح في طرف فمه، هناك أيضاً ساق تهتزّ، وقبل ذلك (وبعده) هناك مشيته التي توحي بأمرين: القوة والخفّة، كأنّما رجلٌ لا يكبر في السنّ، وهو يمشي بما هو أكثر من الثقة: الخُيلاء. هذه أمور لا يستطيع بوتين التخلّص منها، فهو، في نهاية المطاف، قادمٌ من الغرف المعتمة لأجهزة المخابرات وأنماط عملها التي تنعكس على العاملين فيها، وعلى مشيتهم وطريقة نطقهم بعض الكلمات أو نظرات عيونهم.
سبقت قمة ألاسكا هجماتٌ روسية على صعيد الإشارات. لافروف (وزير الخارجية الروسي) يرتدي قميصاً طبعت عليه الحروف الأولى للاتحاد السوفييتي الآفل، كأن موسكو تقول إننا أقوى من أن نكون مجرّد دولة. بوتين يهبط من الطائرة ويمشي على مهله على السجّاد الأحمر بينما ينتظره ترامب. هذا وحده جعله يستحوذ على المشهد، فرئيس الدولة الأقوى في العالم هو من ينتظر، هو من يتودّد ويبتسم، ثمّ يتقدّم للمصافحة، ماذا يريد بوتين أكثر؟
يُفاجأ ربما بطائرات "ب 2" تحلّق فينظر إليها، يكسر البروتوكول، فيُجبر نظيره على التوقّف قليلاً والالتفات، قبل أن يجد نفسه في بعض الحرج، فيصفّق لوحوش السماء التي أمرها قبل بضعة أسابيع بقصف إيران. يحوّل بوتين استعراض القوة الأميركي استعراضاً احتفالياً به. تبدو الإشارات هنا في صراعٍ لإنتاج دلالاتها، وما يعتبره الطرف الأميركي رسائل قوة يتحوّل من منظور المعسكر الآخر احتفاءً.
ويزداد صراع الإشارات احتداماً حين يطلب ترامب من وزير خارجيته، روبيو، التقدّم للسلام على مرافقي بوتين. في اليوم نفسه، يقصف بوتين أوكرانيا: نحن لسنا في موقع من يتراجع ما لم يكن الثمن مجزياً... نحن في موقع القوة. وفي المؤتمر الصحافي يتجلّى بوتين، يقول لترامب إن هذه الحرب ما كانت لتنشب لو كنتَ رئيساً آنذاك، إنه جو بايدن الذي حذّرناه. ماذا يريد ترامب أكثر من لوم بايدن؟ يخاطبه بوتين بالصديق العزيز، بالجار، بالشريك في الحرب ضدّ عدو واحد (ألمانيا). يقول له ببساطة إننا في المعسكر نفسه، ونتقاسم الأفكار نفسها، ولا يبدو ترامب معنيّاً بنفي ذلك، بل سعيداً على نحو ما، فالمهم بالنسبة إليه هو الصورة، وإمكانية أن يخرج على الملأ قائلاً "لقد أوقفنا الحرب". ... لكن بأيّ ثمن أوكراني أو من رصيد أوروبا الأمني فأمور لا تعنيه.
لكن هذه ليست الصورة التي تكتنز بالدلالات، فتلك ينتجها بوتين بذكاءٍ أكثر، بتعمّد، بدلالاتٍ ملغّزة، هل تذكرون لقاءيه مع المستشار الألماني السابق أولاف شولتز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في فبراير/ شباط 2022؟ كان ثمّة طاولة كبيرة الحجم وطويلة بين بوتين وضيفيه كلّ على حدة، كأنما يقول إن الهوّة في المواقف بين موسكو وأوروبا إزاء أوكرانيا شاسعة ولا مجال لتجسيرها، أمّا قصة رفض شولتز وماكرون إجراء فحص كوفيد 19 في موسكو قبل اللقاءين، فذلك لأن الإشارات تتحرّك في حقول دلالية متعدّدة. والحال هذه، الإلغاز متعمّد ولصالح بوتين دائماً. فعلها بوتين في موسكو مع أردوغان، تركه ينتظر دقيقتين عام 2020، فانتظر الأخير عامَين ليردّ عليه بالطريقة نفسها، بأن ينتظر دقيقة، أو أقلّ بثوانٍ، عام 2022 في طهران.
بوتين ينتصر غالباً على صعيد توظيف الصورة وفي حرب الإشارات، لكن هذا كلّه لا يعني كثيراً في أرض الواقع، إنه يغرق في المستنقع الأوكراني، يتراجع في مؤشّر القوة خلف الصين، وإذا كان ثمّة انتصار حقيقي له فهو فكّ العزلة جزئياً، وتوظيف ترامب لمصلحته: هذه لعبته.