بزشكيان والإصلاح العاجل في إيران
لم ينسَ الرئيس مسعود بزشكيان، وهو يقرّ بضرورة أن يُعيد النظام الإيراني "النظر في طريقة التعامل مع الناس"، أن يضع هذه الدعوة داخل سردية أمنية مألوفة: حديثٌ عن إحباط مؤامرات، واتهام أطراف خارجية بالتحريض (الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا)، مع التحذير من استغلال الاحتجاجات لجرّ البلاد إلى اقتتال داخلي. قد يبدو التصريح رسالةً غايتها تهدئة الشارع من جهة، وتهدئة أجهزة الدولة نفسها من جهة أخرى، بالدعوة إلى تصحيح السلوك من دون كسر "هيبة النظام" باعتذار صريح. غير أن هذه المزاوجة بين اتهام الخارج والالتفات إلى الداخل، مهما بدت حذرةً، لا تُفهم إلا بوصفها اعترافاً محسوباً بأن جزءاً معتبراً من الاحتقان مرتبط بطريقة الحكم والإدارة، لا بـ"تحريض الخارج" وحده.
صُنّف بزشكيان (مرشّحاً للرئاسة) "معتدلاً"، حمل وعود تخفيف القيود الاجتماعية والانفتاح على العالم. وفي مقال خصّ به "العربي الجديد" بعنوان "معاً لبناء منطقةٍ قويةٍ ومزدهرة" (10/7/2024)، بُعيد فوزه في الانتخابات رئيساً، دعا إلى تعاون إقليمي من أجل الازدهار والتقدّم، معتبراً أن "شعوب المنطقة تستحق التنمية الاقتصادية والرخاء الاجتماعي". كان المفروض أن يكون الشعب الإيراني نقطة الانطلاق، لكن بزشكيان لم يحقّق حتى الآن انقلاباً في الملفّات الثقيلة؛ بقيت القيود الأساسية، وظلّ التغيير محكوماً بمعادلة "التوافق داخل النظام" أكثر منه برنامجاً إصلاحياً صدامياً. ربّما كان ذلك طبيعياً في نظام تتوزّع فيه السلطة بين مؤسّسات منتخبة وأخرى فوق منتخبة، مع دور حاسم للمرشد الأعلى علي خامنئي. لذلك، لا يمكن اختبار كلمات بزشكيان؛ لتبقى بيضة القبّان في "تفاصيل الدولة" التي تلامس الناس يومياً، وفي الكيفية التي يُعامل بها المواطن عند أول احتكاك مع مؤسّسة رسمية. ومن هنا يبقى الحكم العملي على تصريحاته معلّقاً على ما بعد الخطاب: هل تُترجم اللغة الجديدة إلى تغييرات في السلوك الإداري والأمني، وإلى قرارات تخفّف الضغط المعيشي، وإلى تعامل لا يرى المجتمع مجرّد ملف أمني؟
تحتاج إيران إلى مسار إصلاح عاجل، وتأتي صفة "العاجل" من تزامن ضغوط مركّبة: اقتصادٌ متعب وثقةٌ متآكلة وبيئةٌ إقليمية قابلة للاشتعال. كل واحد من هذه العوامل كفيل وحده بتغذية الاحتقان، فكيف إذا اجتمعت؟ وأول متطلّبات هذا "الإصلاح الممكن" إعادة بناء حدّ أدنى من الثقة بين الدولة والمجتمع. لا يكفي أن تُرمى كل أزمات الداخل على "تدخّلات الخارج"، ولا أن تُقال كلمات عامة عن "الناس" من دون تغيير في تفاصيل حياتهم اليومية التي تصنع الغضب، يجب احترام الإجراءات القضائية، وتضييق مساحة الاعتقال التعسّفي، وضبط استعمال القوة بما يحفظ هيبة الدولة من دون سحق كرامة المواطن. وفي ذلك كلّه ينبغي إبقاء خطّ فاصل واضح: هذه إجراءات تخفيف ضرر واستعادة ثقة، لا سقف نهائي، فحرية الشعب تبقى شرط الاستقرار على المدى الطويل.
ما يجعل العقوبات قاتلةً هو هشاشة البنية الداخلية بفعل الفساد والامتيازات، والانكماش الذي يلتهم الطبقات الوسطى. كل خطوة جدّية باتجاه الشفافية والحوكمة وتقليص الريع لا تُحسّن الأرقام فقط، إنها تقلّص قابلية البلد للانكشاف عند كل صدمة. فمعركة الاقتصاد معركة "عدلٍ إداري" أيضاً، بمعنى توزيع أعباء الأزمة بعدالة، وتجفيف الامتيازات غير المبرّرة، وإقناع الناس بأن التقشّف ليس قدراً عليهم وحدهم.
تتطلّب لحظة الخطر إصلاحاتٍ داخلية ترمِّم الثقة، واقتصاداً يتعافى تدريجياً، ودبلوماسية تُقلّص احتمالات المواجهة، فهل فات أوان الإصلاح؟ لا، لكنه يضيق بسرعة. تدفع التهديدات بعض مراكز القوة إلى التصلّب، والتصلّب يرفع الاحتقان، والأخير يغري الخارج بمزيد من الضغط. وإذا كان للرئيس بزشكيان من فرصة، فهي أن يحوّل عبارته من "دعوة عامة" إلى إجراءات ملموسة معيارها قرارات صغيرة لكن متتابعة تُرى آثارها خلال أسابيع لا سنوات، لأن الثقة لا تُستعاد بخطاب، بل بسلسلة أفعال تتراكم.
يبقى أن حرية الإيرانيين حقٌّ أصيل لا يُساوَم عليه ولا يُلغى بحجّة الخطر. قد تُؤجّل السياسة خطواته، وقد تفرض اللحظة الإقليمية إيقاعاً بطيئاً، لكن الحقّ نفسه لا يسقط، والإصلاح يفقد قيمته إذا استقرّ في وعي الدولة بوصفه بديلاً دائماً من الحرية.