العسكرية الليبية من التنافس الدولي إلى تنسيق المواقف
جنود ليبيون في عرض عسكري في طرابلس بمناسبة ذكرى ثورة فبراير (16/2/2025 الأناضول)
بعد مرحلة من التنافس على النفوذ العسكري في ليبيا، تشهد المرحلة الحالية تَشكل إطار تفاهم على ملامح توحيد الجيش والأمن، حيث تعمل مجموعة الاتصال الدولي حول ليبيا على الانتقال من المسارات المتوازية إلى العلاقات الشبكية، بحيث تسمح بتنسيق الاتصال مع المسؤولين الليبيين في نطاق برامج التدريب، ما يثير النقاش بشأن سمات الانتقال من التنافس الدولي للتعاون لرفع مناعة الدولة الليبية ضد التفكك والتدخل الخارجي.
ظلت التنافسية في ليبيا ما بعد معمّر القذافي العلامة الرئيسية في سلوك الدول ومواقفها. وكنت تناولت في مقال "انعكاس التنافس الدولي على العسكرية الليبية" (العربي الجديد، 28/5/2025) الأثر المزدوج للتنافس الدولي وتفكك السلطة الليبية على تهاوي عملية إعادة البناء، وكاتجاه عكسي، تشهد في المرحلة الحالية المواقف الدولية تغيراً ملموساً، فبعد أن قامت العلاقات على التنافسية على ليبيا، تتجه التحركات الدولية وفق إدراكٍ بأولوية أمن ليبيا مصلحة مشتركة لدولٍ عديدة؛ في حوض المتوسط والولايات المتحدة، خصوصاً في ما يتعلق بوجود مؤسّساتٍ قويةٍ لصيانة وحدة الدولة ومنع الهجرة غير الشرعية، حيث تنتقل المناقشات من تشكيل حكومة موحّدة مخرجاً للحل السياسي إلى حوكمة الجيش الليبي، بمعزل عن مساومات المسار السياسي.
في هذا السياق، ظهرت تحرّكات دولية متزامنة لبحث مستقبل المؤسّسة العسكرية الليبية. فمن وجهة أساسية، انصبت السياسة الأميركية على جمع طرفي النزاع في ليبيا. فمع بدء ترامب رئاسته الثانية، بدت حالة من الاهتمام المتسارع بتفاصيل الملف الليبي سياسيّاً وعسكريّاً، لتبدأ سلسلة من الاجتماعات مع ممثلي حكومتي ليبيا؛ صدّام حفتر وعبد السلام الزوبي، حيث اضطلعت "القيادة الأفريقية" (أفريكوم)، بدور التنسيق العسكري مع طرفي الحكومة الليبية. وقد شكلت استضافة المطارات والموانئ الليبية طائرات شبحية والبحرية الأميركية (إبريل/ نيسان 2025)، نقطة تحرك لعقد لقاءات تالية لتوحيد الجيش والمؤسسات الأمنية.
كانت هذه الخطوات مؤشّراً على تبلور ملامح التحرك الأميركي في الشهور التالية وسيطاً مباشراً ما بين حكومتي طرابلس وبنغازي. وعبر اجتماعات متتالية؛ سياسية وفنية، انعقدت محادثات في مايو/ أيار الماضي ثم ديسمبر/ كانون الأول، وكان جديدها أخيراً في القاعدة العسكرية الأميركية في ألمانيا في 13 يناير/ كانون الثاني 2026، لم تقتصر على تناول واقع الجيش الليبي ودعم لجنة 5 + 5، حيث امتدت إلى التعاون العسكري وتنفيذ مناورة “فلينتلوك 2026” بوصفها واحدة من مشاريع توحيد المؤسسات الليبية وإعداد برامجها التدريبية والهيكلية.
وفي السياق، ولأجل ضبط التحرّكات العسكرية، اجتمع المبعوث الأميركي لأفريقيا، مسعد بولس، في روما، 3 سبتمبر/ أيلول الماضي بممثلَين عن حكومتي طرابلس، إبراهيم الدبيبة، وبنغازي، صدام حفتر، لعرض ثلاثة مطالب أميركية، أبرزها عدم تدخل خليفة حفتر في الصراع بين رئيس الحكومة، عبد الحميد الدبيبة، والمليشيات في غرب البلاد، وهي خطوة لإفساح الطريق لمقترحات توحيد الجيش التي تبلورت خلال 2025، حيث انتقل تصور "أفريكوم" للعسكرية الليبية من اقتراح تشكيل قوة مشتركة من الحكومتين إلى تجميع الكيانات العسكرية القائمة تحت مظلة رئاسة الأركان على قمة الهيكل العسكري، تتبعها ثلاث مناطق، يتولى صدّام حفتر القسم الشرقي، وعبد السلام زوبي القسم الغربي، أما الجنوبي، فيتم إسناده إلى ضابط من سكان المنطقة.
تكشف المسارات الدولية والإقليمية تجاه ليبيا عن سمات مختلفة عن المرحلة السابقة، في مقدمتها؛ تجاوز وضعية الاعتراف الدولي بحكومة الوحدة الوطنية
وعلى المستوى الإقليمي، قامت سياسة الدول الإقليمية على فتح قنوات اتصال مع العسكريين الليبيين مع مشاوراتٍ بينيةٍ محدودة، وفي الوقت نفسه، حافظت على التنسيق مع الولايات المتحدة ثنائياً وعبر الاجتماعات الدولية المشتركة. في هذا السياق، كانت قمة إسطنبول الثلاثية، تركيا وإيطاليا وليبيا، في أغسطس/ آب الماضي، ثم اجتماع وزيري الخارجية، هاكان فيدان وبدر عبد العاطي، ترجمة لأولوية الالتزام بوقف إطلاق النار ومنع انفلات المسلحين في طرابلس. تعزّزت هذه السياسة مع زيارات مسؤولي المخابرات إلى ليبيا في سبتمبر الماضي، لتعكس تنسيق التواصل مع السلطات الليبية.
وفي سياق هذا التوجه، أعيد تنشيط آلية جوار ليبيا، لتواكب التطورات الدولية والإقليمية. وعلى مدى أربعة اجتماعات بدأت من جدة في 25 أغسطس/ آب 2025 على هامش انعقاد منظمة التعاون الإسلامي، وكان الأخير تونس في 26 يناير/ كانون الثاني 2026، حدد وزراء الخارجية ملامح التعامل مع الأزمة الليبية في وحدة السلطة وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة. وباعتبار تضرّر مصر وتونس والجزائر المباشر مما يجري في ليبيا، انشغلت الاجتماعات الثلاثية، بحضور المبعوث الأممي أو غيابه، بتوحيد المؤسسات وأمن الحدود، خصوصاً مع تداخل ليبيا مع صراعات إقليم الساحل والسودان.
بشكل عام، تكشف المسارات الدولية والإقليمية تجاه ليبيا عن سمات مختلفة عن المرحلة السابقة، في مقدمتها؛ تجاوز وضعية الاعتراف الدولي بحكومة الوحدة الوطنية، حيث صارت الدول الفاعلة على مسافة متقاربة من الجهات الليبية، فعلى المسار الخارجي، صار من المستقر التعامل الدولي مع ممثلي القيادة العامة ضمن المشروعية الأممية والإقرار بصلاحيتها في عقد الاتفاقيات وتحمل الالتزامات. ومن جانب آخر، كان انعقاد الآلية الثلاثية، رغم اعتراض حكومة طرابلس، بمثابة استعداد مصر والجزائر للتغاضي عن الخلاف بشأن أيٍ من حكومتي ليبيا مشروعة. لم يقتصر مثل هذه المشاهدات على الدول الإقليمية والولايات المتحدة، بل شمل دولاً أوروبية، لتكون اعترافاً واقعياً بمصافّ العلاقات الدبلوماسية النشطة، من هذه الوجهة، كان اتساع الاتصال الدولي لصدّام حفتر بصفته العسكرية، والسياسية أحياناً، من دلائل ضعف مرجعية الاعتراف الدولي معياراً وحيداً، ولم يكن مانعاً من عقد اتفاق عسكري مع باكستان، والذي يُعد مؤشّر قبول دولي للنمط العسكري القائم في شرق ليبيا.
مع بدء ترامب رئاسته الثانية، بدت حالة من الاهتمام المتسارع بتفاصيل الملف الليبي سياسيّاً وعسكريّاً، لتبدأ سلسلة من الاجتماعات مع ممثلي حكومتي ليبيا
وفق هذا السياق، تنفرد الولايات المتحدة بميزات اتصالية مع المكونات الليبية، فعلى الرغم من تقارب الدول إقليمية مع جانبي السلطة في ليبيا، لم تتمكّن من جمعهما في لقاء واحد، وذلك على خلاف الاجتماعات الأميركية ـ الليبية، حيث يظهر مسؤولو الأفريكوم في وسط الصورة مع ممثلي طرابلس وبنغازي، بشكل يعكس مستوى النفوذ الأميركي. في الحالة الليبية، لا تمثل فروق النفوذ الدولي عاملاً حاسماً لتقرير المسار الليبي. وهنا، تشير خبرة السنوات الماضية إلى صعوبة انفراد دولة بتقرير الوضع في ليبيا، حيث ظلت المشاورات الجماعية في لجنة الاتصال الدولية إطاراً للتفاهم الظاهري، ظهرت ملامحه في تلاقي البيانات المشتركة، الأول من ديسمبر / كانون الأول الماضي، على التنسيق الدولي بشأن الشؤون الليبية العسكرية والاقتصادية.
وعلى الرغم من تقارب النظر الدولي للوضع الليبي، تنحدر تحدّيات التنسيق من جانبين: يتمثل الأول في الهشاشة الهيكلية للمؤسسات العامة، ما ينعكس في ضعف استجابة البيئة الليبية للإصلاح المؤسسي والتكامل الوطني، ما يُبقي الحلول تحت دائرة الانقسام والانقياد لانحرافات العامل الخارجي، فخلال السنوات الماضية، حالت تطلّعات شاغلي المناصب الرسمية دون التفاهم حول أولويات المصالح الأمنية والدفاعية أو بناء الدولة، فيما كان الجانب الثاني متمثلاً في ارتباط معضلة الأمن في ليبيا باختلاف أولويات الدول تجاه مستقبل ليبيا، ما انعكس على تباطؤ الدعم الدولي لتوطيد وحدة الدولة.
على أي حال، على الرغم من القيود الناتجة عن اختلاف مصالح الفاعلين الدوليين، تتماشى التوجهات الدولية بشأن ليبيا مع مراجعة دور المليشيات في الشرق الأوسط، حيث تعتبر الولايات المتحدة وعِدة دول إقليمية تسوية المنازعات وضبط الصراع أولوية سياسية وأمنية. يتضح هذا التوجه في تغير مواقفها تجاه الجماعات المسلحة في اليمن والسودان وسورية وتمكين السلطة الرسمية من شؤون الدولة. وفي ما يخصّ جوار ليبيا، أوضحت رسالة الرئيس الأميركي ترامب إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الانتهاء من مرحلة التردّد في الإقلاع عن دعم تمرّد قوات الدعم السريع، ليعكس الرغبة في وقف انخراط ليبيا في صراعات خارجية والاهتمام بهيكلة الجيش والخروج من العُسرة السياسية.