العراق... تذوّق متأخّر لطعم الكارثة

10 فبراير 2026
+ الخط -

لم يكن الحدث الأبرز في العراق في الأسبوع الماضي متابعة تسريبات كواليس النقاش حول شخصية رئيس الوزراء القادم، ولا ترقّب الضربة الأميركية المحتملة على إيران وتأثيرها في العراق، وإنما التظاهرات التي غطّت ساحات العراق، لفئةٍ لم تتعوّد أن تخرج إلى الاحتجاج، بل يتّهمها كثيرٌ من الناشطين بأنها ظلّت متفرّجةً في اللحظات المفصلية، ومنها احتجاجات أكتوبر 2019.
أغلق مئات من التجّار العراقيين محالّهم، وعلّقوا يافطات موحّدة تبيّن أن إغلاق هذه المحالّ أمرٌ منظّم، يأتي احتجاجاً على الرفع المفاجئ للتعرفة الجمركية على البضائع المستوردة إلى العراق. الرفع غير المسبوق للتعرفة الجمركية أُقِرّ، في واقع الحال، في جلسة مجلس الوزراء في 28 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ولم يُثِر في وقتها أيّ جدل أو نقاش عام، واعتمد على قانون التعرفة الجمركية رقم 22 لسنة 2010 أساساً للتنفيذ، لكن القرار دخل حيّز التنفيذ في الأول من الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني).
هناك من يتّهم حكومة محمّد شياع السوداني بأنها أخّرت تنفيذ هذا القرار إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية، لأنها تعرف أنه قرارٌ مزعجٌ للجمهور العام، سيّما قطاع التجّار، ولربما كان سيؤدّي إقراره في حينه إلى دفع جمهورٍ من الناخبين بعيداً من قائمة رئيس الوزراء. انقسم الرأي العام تجاه القرار وموجة احتجاجات التجّار بين ثلاث فئات: الأولى تراه قراراً ارتجالياً لا يراعي هشاشة الاقتصاد العراقي، المعتمد بشكلٍ شبه كلّي على الاستيراد، مع ضعف قطاع الإنتاج. أمّا الفئة الثانية فترى فيه إجراءً مزعجاً، لكنّه ضروري لبدء إصلاحات اقتصادية تأخّرت كثيراً، ولا مفرّ منها اليوم مع خواء خزينة الدولة، حتى لو استلزم الأمر إزعاج المتضرّرين. في حين تضمّ الفئة الثالثة أولئك الشامتين بالتجّار، الذين استنشقوا، للمرّة الأولى ربّما هواء الغضب الاحتجاجي، بعدما تعاملوا في سنوات سابقة ببرودٍ ولامبالاة مع المطالب الإصلاحية التي خرج من أجلها المتظاهرون الشباب.
لا تُنكر الحكومة، التي بدأت بتأخير رواتب الموظفين والمتقاعدين، أنها تعاني من ضعف السيولة المالية، وأنّها تسعى إلى زيادة الإيرادات غير النفطية، كما اعتمدت المنظومة الإلكترونية للسيطرة على الفساد في المنافذ الحدودية، التي ظلّت سنواتٍ خارج السيطرة الفعلية، وتقول إنها تعمل لتقليص الموارد التي تتسرّب عبر شبكات النفوذ غير الرسمية بعيداً من رقابة الدولة.
لا أحد يثق، للأسف، بحسّ النزاهة الذي هبط على الحكومة فجأةً، والأقرب إلى التصديق أنّها تحاول معالجة مشكلة راهنة غفلت الحكومات المتعاقبة عن معالجة أسبابها عقدَين من الزمن. كما أن الحديث اليوم عن "اقتصاد الظلّ" الذي تديره المليشيات لا يبدو جدّياً أو حقيقياً؛ فالحكومة لم تغيّر من سلوكها أو نبرتها في الحديث عن هذه المليشيات، وما زالت تجلس مع زعمائها داخل غرف النقاشات السياسية حول الحكومة المقبلة. فكيف تتحاور معها حول صفقات سياسية من جانب، ومن جانبٍ آخر تريد تجفيف منابعها الاقتصادية؟ إنه أمرٌ غير منطقي وغير مفهوم، وعلى الأغلب ليس سوى جزءٍ من بيع الكلام للجمهور العام، ولعيون "الأخ الأكبر" الأميركي الذي يراقب كلّ شيء.
كانت علّة نظام صدّام، ومن قبله الحكومات "الثورية" بعد 1958، هي الاعتماد المتزايد على النفط، وإضعاف القطاع الخاص والقطاعات الإنتاجية والصناعية المحلّية، أو إغراقها (بعد تأميمها) بالموظفين غير المنتجين. ومن الغريب أن نظام ما بعد 2003 سار في النهج ذاته، فبقينا دولةً ريعيةً بسياسات اشتراكية، بل ضاعفت أعداد الموظفين الحكوميين إلى نسبٍ غير معقولة. وما هو أقسى من ذلك، أن قطاع التعليم العالي ظلّ مرتبطا بالوظيفة الحكومية لا بتنشيط الاقتصاد الحرّ. وخلف مقود هذه العربة المتّجهة إلى الهاوية، تجلس منذ سنوات الأحزاب المتحاصصة تدير موارد الريع النفطي، وتتقاسم الامتيازات والمخصّصات المالية والدرجات الوظيفية في ما بينها.
وها قد وصلنا إلى الهاوية أخيراً، وكما هو متوقّع، خرجت فئاتٌ إلى الشارع لم تتعوّد سابقاً على التظاهر، وربّما سنرى، إن وصلت السكّين إلى العظم، موظفين ومتقاعدين يصطفّون مع التجّار في مقبل الأيام، ليتذوّق الجميع طعم الكارثة؛ طعمٌ لاذعٌ ومؤلمٌ بلا شكّ، لكنّه قد يفضي ربما إلى صحوةٍ ما.