السنّي الجيّد في عراق المليشيات

28 يوليو 2026

قبل أكثر من عشر سنوات، جمعتني جلسة بالروائية البنغالية تهميمة أنام، فسألتها عمّا إذا كان عنوان روايتها "المسلم الجيّد" يحاكي، تهكّماً، الصيغة العنصرية الشهيرة "الهندي الجيّد هو الهندي الميّت"، المنسوبة إلى الجنرال الأميركي فيليب شيريدان خلال حروب المستوطنين ضد السكان الأصليين، فتحدّثت لي عن ثنائية مفترضة داخل الرواية عن المتديّن المتشدّد المهتم بحرفية الطقوس وذلك المسلم الذي يعتني بالآخرين ويكون فاعلاً في المجتمع.
الصيغة المنسوبة لشيريدان شائعة، وتظهر في سياقات مختلفة؛ ففي انتخابات إسرائيل عام 2019، أُثير جدل بشأن روني ساسوفير، المرشحة في تحالف "يمينا" اليميني، بعدما نشرت عبارة ناقصة نسبتها إلى جدّتها: "العربي الجيّد هو العربي..."، وكان الجزء المحذوف مفهوماً للجميع.
تداعى هذا إلى ذهني وأنا أشاهد مقطع فيديو نشره القيادي المليشياوي المعروف "أبو عزرائيل"، القائد الميداني في كتائب الإمام علي ضمن "الحشد الشعبي". كان يشكو خلافاً على قطعة أرض في أطراف بغداد، ثم يعاتب خصومه قائلاً، بما معناه: هل أنا سنّي حتى تفعلوا بي هذا؟!... أثارت العبارة ردات فعل واسعة على مواقع التواصل في العراق؛ لأنها لم تكن مجرّد انفعال عابر، بل كشفاً لا إرادياً عن ترتيب خفي للمواطنة: هناك من يعدّ الاعتداء عليه مستغرباً، وهناك من يُفهم ضمناً أن الظلم الواقع عليه مألوف، ولا يستدعي الدهشة أو المساءلة.
هنا يظهر "السنّي الجيّد" في عراق المليشيات: المواطن الذي يصمت، ويقبل بحقوق منقوصة، ويستقتل لإعلان براءته وولائه، أو يلتحق بزعيم حزبي يحميه ويقتطع له حصةً صغيرة من مائدة السلطة. أما من يطالب بحقه كاملاً فهو محطّ ريبة؛ فالمطالبة بالحقوق تُفهم أحياناً اعتراضاً على النظام السياسي نفسه.
تسهم النخبة السياسية السنّية في تكريس هذا الوضع حين تتجنب تسمية المشكلة، أو تختزلها في مناشدات موسمية، لأنها تريد الحفاظ على امتيازاتها ضمن توازنات رسمتها القوى الأكبر، وتخشى خسارة ما مُنح لها من نفوذ، ما يجعل المواطن بلا تمثيل حقيقي: فلا الدولة تحميه، ولا ممثلوه يملكون إرادة المواجهة، ولا الإعلام الجبان يغامر بفتح ملفه كاملاً.
حكاية "أبو عزرائيل" مجرّد تفصيلة صغيرة في قضية الأراضي الزراعية في حزام بغداد، فعائلات كثيرة تقيم وتزرع هناك منذ عقود بموجب عقود انتفاع أو إيجار مع الدولة، لكن تقارير وشهادات تحدثت عن فسخ عقود، وضغوط وتهديدات، وبيع قسري بأسعار متدنية، سيما في مناطق جنوب بغداد وغربها. ولا تتوافر إحصائية رسمية شاملة تحدد حجم الأراضي المنتزعة، وهذا الفقر المعلوماتي دليل على نيات التغطية على المشكلة وتخويف من يقترب منها.
أما جرف الصخر فهي الصورة الأشد قسوة: أكثر من ستة آلاف عائلة ما زالت عاجزة عن العودة منذ نزوحها عام 2014، بعد استعادة المنطقة من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من دون مسار علني يميّز المطلوب قضائياً من المواطن البريء، أو يحدد موعداً لعودة العائلات أو تعويضها عن ممتلكاتها. وهكذا تحوّل الوضع الأمني المؤقت إلى عقوبة جماعية مفتوحة، وسط برود الحكومات المتعاقبة، ودخول المنطقة كلها، تحت سلطة المليشيات، في ثقب أسود للمعلومات.
لا يعني هذا أن السنّة وحدهم يتعرّضون للظلم؛ فالابتزاز والاستيلاء وضعف القانون تطاول شيعةً ومسيحيين وصابئة وجماعات أخرى. لكن مأساة السنّي العراقي هي "الفيل في الصالة": يعرفها الجميع، وتتحاشى النخب السياسية والإعلامية تسميتها، خوفاً أو تواطؤاً أو حفاظاً على التسويات القائمة.
إن كان رئيس الوزراء لا يستطيع حلّ المليشيات بكبسة زر، فلا شيء يمنعه من معالجة مشكلات أصغر، ومنها فتح تحقيق في ادّعاءات الاستيلاء على الأراضي، وتدقيق العقود والسجلات العقارية، وحماية المشتكين والشهود، ووضع خطة معلنة لعودة نازحي جرف الصخر. وإذا كان "الحشد"، وفق قانونه، جزءاً من القوات المسلحة ويرتبط بالقائد العام، فمن المفترض أن تُعامَل تجاوزات المنتسبين إليه بوصفها أفعالاً خارجة على القانون.
ترك هذه المظالم تتراكم لن يصنع استقراراً؛ فهو يؤجل انفجار المشكلات ولا يحلّها. والدولة التي لا تحمي حقّ المواطن الضعيف، أياً كان مذهبه، تترك تعريف "المواطن الجيّد" لمن يملك السلاح وحقّ استعماله خارج مظلّة الدولة.