الرجل البغيض والحزن المسيطر

20 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 03:16 (توقيت القدس)

(مهنّا الدرّة)

+ الخط -

بعد اطّلاعها على تقرير معهد غالوب العالمي للدراسات الذي يفيد بسيطرة الحزن على مشاعر الأردنيين (المرتبة السابعة عالمياً والأولى عربياً)، قرّرت المواطنة الأردنية الحريصة على سمعة بلدها تفنيد هذه الدراسة الجائرة مشبوهة الدوافع، والمشكوك في موضوعيتها ودقّتها، وأن تبدّد إشاعة "كشرتنا هيبتنا"، وأن تبدأ بنفسها الميّالة إلى النكد (لأسباب لا مجال للخوض فيها)، فتكبس الزرّ وتتوقّف عن الحزن فوراً. أصلاً، لم تعد تقوى عليه وقد التهم روحها على مدى عامَين قضتهما وهي تراقب مشاهد القتل والدمار والتهجير والتجويع والتشريد. كما قرّرت أنها ستطرد الحزن شرّ طردة، لأن المشاهد المبثوثة من شرم الشيخ تفيد بأن الحرب توقّفت فعلاً، وانتهت إلى غير رجعة على ذمّة الرجل البغيض الذي يشبه مهرّج السيرك، كما أن ابتسامات الزعماء المطمئنة تؤكّد أنه لن يُقتَل طفلٌ ولن يتمزّق جسده أشلاءً في غزّة بعد الآن، وسوف تفرح مع الغزّيين وهم يتنفّسون الصعداء ويرقصون في الشوارع الممسوحة الملامح، ويعودون إلى بيوتٍ تحوّلت ركاماً، ويؤكّدون عزمهم بناءها من جديد، ولا سيّما أن الرجل البغيض طامع في جائزة نوبل للسلام، ولديه يقين يغذّيه المريدون باستحقاقها، وقّع أمام كاميرات الدنيا الوثائق المتعلّقة بتحقيق "السلام الموعود" قبل أن يُلقي نكات وطرائف عديدة سمجة، ويوجّه عبارات الشكر والمجاملات التي تنطوي على إهانات جارحة كيفما اتفق، قبل ذلك بساعات قليلة وأمام الكنيست، وفي أجواء كوميدية تشبه برامج ترفيهية قام فيها بدور المقدّم الاستعراضي، فأثنى على مهارة ربيبة أميركا ومدلّلتها في استخدام السلاح في أثناء حرب الإبادة الغاشمة. السلاح الممنوح على سبيل "العطية التي ما من وراها جزية"، وتوسَّط بلا خجل من أجل حبيب قلبه المجرم نتنياهو كي ينال العفو عن تهمة الفساد التي تحيط بسيرته الإجرامية القذرة، وقد حاول عبثاً تبييضها، وغسل عارها، بدماء أطفال غزّة المغدورين.
خاطبت المواطنة الغيورة نفسها قائلةً: خلص، انتهينا، أي دمعة حزن لا لا لا. لن أتابع ما سيجري، سأسترّد تفاصيل حياتي المنهوبة. قد أعود إلى ممارسة الرياضة، وإلى التجوّل في الأسواق، وإلى تأدية واجباتي الاجتماعية. سأعيد وصل ما انقطع مع الأقارب والأصدقاء. من يدري؟ قد أسافر إلى مدينة ساحلية بعيدة كي أتمشّى أمام البحر. سأحاول استعادة مهاراتي في الطهي، وأستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية وأغاني أسمهان في المساءات. سأتخلّص من سلبيتي وأستعيد شيئاً من شجاعتي أو عدوانيتي (لا فرق). سأتخلّى عن تحفّظي. لن أكتم شيئاً قد يضاعف من حزني.
سأقول للأعور "أعور في عينه"، حتى لو كان يعرف ذلك تماماً، وسأعبّر عن مشاعري وأفكاري بكل صراحة وصدق، حتى لو أثار ذلك غضب أحد. لن يهمّني بعد الآن، سأتحرّر من حالة الشلل العاطفي التي لجمت مشاعري، وحوّلت روحي جثّةً هائمةً عاجزةً عن التفاعل والانفعال. سأتابع الأفلام الكوميدية الرومانسية وبرامج المقالب وليذهب معدّو دراسة الحزن الأردني إلى الجحيم، لأنهم يفترون كذبةً، ولا يدركون مدى تعطّشنا إلى السعادة وراحة البال، إذا ما استطعنا إليها سبيلاً.
على مستوى شخصي، سأستعيد قدرتي على الفرح، وسأضحك من كل قلبي وأحب الحياة أكثر. ولكن دعوني، قبل ذلك كلّه، أنخرط في نوبة بكاء طويل مرير، لعلّ المشهد السريالي الراهن يصبح أقلّ سواداً وأكثر معقوليةً.

AD06A645-8A0A-4B42-9292-5FC44B5D51C6
بسمة النسور

كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة "تايكي" المتخصصة بالإبداع النسوي.