الدرس العراقي من فنزويلا
لا يكاد العراق يشبه فنزويلا إلا في بضعة أمور، أبرزها الاعتماد شبه الكلّي على الريع النفطي، وأن الرئيس الفنزويلي الذي اختطفته الولايات المتحدة، نيكولاس مادورو، يشبه في "شكله" ومصيره الرئيس العراقي السابق صدّام حسين، بعدما قامت أميركا بعمل عسكري لإسقاط الرئيسَين في البلدَين. وما عدا ذلك، نجد أن فنزويلا تبلغ ضعفَي مساحة العراق، فيما العراق أكبر من ناحية عدد السكّان، ويتمتّع بمعدّل نمو سكّاني أعلى. كما أن الدولة الفنزويلية تمتلك عمقاً تاريخياً يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وقد جرّبت سابقاً أنظمة حكم ديمقراطية قبل استيلاء العسكر، والتجربة الاشتراكية الشعبوية، على السلطة، وهي تجربة انتهت بالبلاد إلى حالة من الإفقار الشديد، وانهيار العملة، وتصاعد موجات الهجرة هرباً من الأزمة الاقتصادية.
مع ذلك، أوجه التشابه تبقى كافيةً لاستخلاص درس مهم يمكن توجيهه إلى النُّخبة الحاكمة في العراق اليوم؛ فبناء سياسات سلطوية تحرم المجتمع من المساهمة في الشأن العام، وربط الاقتصاد كلّياً بعائدات النفط، يجعلان النظام هشّاً، ويعرّضان المجتمع لهزّات عنيفة مع أيّ تغيّر في أسعار النفط أو تحوّل في مزاج السياسات الدولية، ولا سيّما سياسات الولايات المتحدة الأميركية.
لا تتوافر بيانات دقيقة توضّح طبيعة الرأي العام في فنزويلا وموقفه من الرئيس "المختطف"، لكن يمكن (في الحد الأدنى) الجزمُ بوجود انقسام اجتماعي واضح. كما أن هجرة نحو ثمانية ملايين نسمة، أي ما يقارب 20% من سكّان فنزويلا، تمثّل شكلًا من أشكال الاستفتاء على موقف الشعب من نظام الحكم وسلطة رئيسه. وإذا أضفنا سوء إدارة الموارد النفطية، الذي تُوِّج بعقوبات أميركية بوصفها "رصاصة الرحمة" لهذا المورد، والفشل في تنويع الاقتصاد، وبناء نظام إداري وسياسي قائم على الموالين لا على الكفاءات والخبراء، سنجد أنفسنا أمام قصّة مألوفة للعراقيين، وليست جديدة عليهم.
الحدث الصادم الذي استيقظ عليه العالم، اختطاف الرئيس الفنزويلي من سرير نومه، ينسجم مع الخطاب الشعبوي الوطني للرئيس الأميركي، بوصفه فعلاً لحماية أميركا ومصالحها. لكن السؤال الأهم: ماذا عن "الوطنيين الفنزويليين"؟ كيف سينظرون إلى هذا الحدث؟ وهل سيُعدّ أمراً عادياً؟ والأهم من ذلك: كيف يمكن إعادة بناء مفهوم الوطنية بعد مادورو، تحت ظلّ الهيمنة الأميركية؟
هذه أسئلة طُرحت، وما زالت تُطرح، في الفضاء العراقي، بفعل تشابه المعطيات. ومنها أيضاً الحجج المُزيَّفة التي اعتمدتها الولايات المتحدة لغزو العراق، ثم السجال بين فريقَين: أحدهما يمجّد أميركا، بل هلّل وصفّق لعملية كاراكاس، وآخر يوجّه نقده لأميركا لا بدافع وطني، بل لأنه جزء من المحور الإيراني المهيمن في العراق.
وبين هذَين الفريقَين تضيع الأسئلة الأكثر إلحاحاً وجدّية، مثل: متى تبدأ عملية "فكّ الارتباط" بالولايات المتحدة؟ ومتى تنتهي العلاقة الشاذّة التي يتحكّم بموجبها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بواردات العراق؟ وهو وضع ينفرد به العراق، ولا يبدو طبيعياً بأيّ معيار. ولماذا يتوقّف خيال النُّخب السياسية العراقية عند فكرة "استبدال السيّد"، فيُروَّج للسيّد الصيني (وذراعه الإيرانية) بديلاً من الأميركي، بدلاً من التفكير المستقل في الخروج من منطق السادة والأتباع؟
أما الموقف من إيران، وسيطرتها على مفاصل عديدة في الدولة العراقية، فيظل مرهوناً بموقف "السيد" الأميركي؛ فإنْ تغاضى، فترت حماسة النُّخب السياسية واطمأنت، وإنْ رفع عصاه مطالباً باستقلال أكبر للعراق عن إيران، ارتبكت هذه النُّخب، ولجأت إلى حلول ترقيعية لا تنهي الوضع الشاذ بين البلدَين.
يتحدث الرئيس الأميركي عن استقلال العراق عن إيران، لكنّه يفعل ذلك من موقع مرتفع وبعيد، فتبدو تصريحاته أقرب إلى "إدارة الصراع" مع إيران، لا إلى معالجة جدّية في الأرض العراقية. والمحزن أن النُّخب العراقية تقف عاجزة: فبعضها يصفّق لغزوة ترامب على فنزويلا، ويرى في الرجل "مهدياً" منتظراً يخلّصه من إيران، فيما يراه آخرون التجسيد الصارخ لـ"الاستكبار" الأميركي، ويطالبون بمواجهته من داخل المحور الإيراني، ربما بصوت أعلى من هتافات مادورو قبيل ليلة اعتقاله.