التهديد والترهيب لتفادي الحرب الأهلية

06 مايو 2026

علم حزب الله بين أنقاض مبنى مهدم بعد قصف إسرائيلي في بعلبك (23/3/2026 فرانس برس)

+ الخط -

درجت أيام الحكم السوري في لبنان، قبل 26 إبريل/ نيسان 2005، عادة مخابراتية يجري استحضارها في كل مرّة تدعو شخصيات وقوى وأفراد إلى تحرّك مطالِب بالانسحاب السوري. على الفور، كانت سلطة الوصاية تدعو من خلال أحد أفرعها وأحزابها، وغالباً ما كان يؤدّي ذلك الدور حزب البعث ــ الفرع اللبناني، وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية وتجمع مشايخ "خلية حمد"، إلى تجمّع مضادّ في الزمان نفسه والمكان إياه لرفع مطلب معاكس لذلك المرفوع من الجماعة الأصلية. فحين كان المطلوب خروج الجيش السوري من لبنان، يصبح المنادى به من المضادّين، بقاءه وشكره وإشهار السيوف دفاعاً عنه. و"حرصاً على السلم الأهلي"، كانت وزارة الداخلية تلغي التجمعين، الحقيقي وذلك الذي اخترعته أذرعها الأمنية. الطرف الأول غالباً ما كان ينكفئ، بينما الثاني، ممثلاً بشبّيحة المخابرات، فكانوا يحشدون بعض المدجّجين بالسلاح الأبيض إلى المكان المحدّد، رغم قرار الحظر الرسمي. ولا تزال ذكريات اللبنانيين حارّة مع تظاهرة سواطير وجنازير "خلية حمد" في بيروت عام 2001 تهديداً لـ"لقاء قرنة شهوان"، أول إطار سياسي واسع ضد الوصاية السورية آنذاك. وفي احتلال "الشارع المضاد" المشهد، كان يكمن كل الهدف: الترهيب وإيصال رسالة مفادها بأنها لو أتيتم (الشارع الأول، أو قل الحقيقي)، لكنتم نلتم حصتكم من العنف، فإياكم أن تفكروا مجدداً في التحرك.

مناسبة استذكار أحداث عمرها أكثر من عقدين، ما يفعله أنصار حزب الله هذه الأيام في الشارع وفي الفضاء الافتراضي وما تتردّد السلطة اللبنانية في فعله درءاً لحرب أهلية كما تقول، أو تفادياً لانقسام الجيش في حال طبّقت قرارات مثل إغلاق "بنك الحزب"، أي مؤسّسة القرض الحسن، وحصر السلاح بيد الدولة وحظر العمل العسكري لحزب الله المولود في مقر السفارة الإيرانية في دمشق مطلع الثمانينيات. الحاصل اليوم أنّ حزب الله لا يزال مقتنعاً بأنّ لا مجال للتعايش مع غالبية اللبنانيين من رافضي بقائه مسلحاً ومورِّطاً لبنان في حروب ودمار وخراب من أجل إيران، إلا بتخويفهم وبتذكيرهم الدائم بمعادلة رستم غزالي الترهيبية والتي تجعل ردة الفعل غير متناسبة مع الفعل. ولدى اللبنانيين ما يكفي من الأسباب ليخافوا من الحزب بالفعل وقد عايشوا ولا يزالون مرحلة اغتيالات ما بعد 2005 وحروبه التدميرية مع إسرائيل وحربه الأهلية المصغرة على بيروت في 7 مايو/ أيار 2008 وتهديداته اليومية معارضيه، واضطهاد من يتجرأ من أبناء الطائفة على المجاهرة بمعارضته.

وقناعة حزب الله بأن التعايش لا يحصل إلا بالتخويف تُترجم بأشكال عديدة من جعل الفعل المعارض للحزب غير متناسب مع ردة الفعل، مثل تهديد القيادي فيه محمود قماطي الحكومة اللبنانية ورئيس الجمهورية جوزاف عون بمصير الجنرال بيتان في فرنسا (الحكم عليه بالإعدام قبل تخفيفه من ديغول رأفة بالحالة الصحية للجنرال التسعيني)، أو بإطلاق النار وقاذفات "بي7" و"أر بي جيه" من الضاحية الجنوبية لبيروت باتجاه الضواحي الأخرى المختلفة طائفياً شرقاً وغرباً احتفالاً بإعلان الهدنة ليل 16-17 الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، وبوتيرة شبه يومية منذ ذلك التاريخ لدى تشييع مقاتلي حزب الله، وبمنع الجيش اللبناني من توقيف مطلقي النار. ثم بممارسة الاستفزاز الطائفي بوتيرة منتظمة من خلال مواكب الدرّاجات النارية بشعارات طائفية عدوانية في مناطق ذات غالبية سكانية غير شيعية، أو أخيراً بجعل تصوير الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم كاريكاتيرياً على شاشة تلفزيونية محلية مبرّراً لتنظيم حملة شتائم وتهديد لأعلى رجل دين مسيحي في لبنان (بطريرك الموارنة)، وهو ما لم يتوقف رغم حذف المحطّة (أل بي سي) شريط الكرتون الخاص بقاسم ومقاتليه.

يحصل هذا وغيره ثم تأتي جماعة خلط الحابل بالنابل ومساواة الجاني مع الضحية ليخبرونا أن تفاوض الحكومة اللبنانية مع إسرائيل من أجل وقف الحرب وإنقاذ ما تبقى من البلد، قد يشعل حرباً أهلية يتحمّل معارضو حزب الله مسؤولية كبيرة في اندلاعها.

أرنست خوري
أرنست خوري
مدير تحرير صحيفة "العربي الجديد".