الأردن وتشابك الأخطار
تتشابك الأبعاد الدولية بالإقليمية بالمحلية بصورة كبيرة ومدهشة في الحالة الأردنية، فلا تجد موضوعاً دولياً أو إقليمياً ساخناً إلا وهنالك امتداد له بصورة ملموسة داخلياً. بالضرورة، في مثل الحالة الأردنية، تساهم الجغرافيا السياسية بدرجة كبيرة في هذا التداخل، بخاصة في إقليم الشرق الأوسط المسكون بالتوترات والأزمات والمشكلات عابرة الحدود.
يشكل المشهد الداخلي مورداً آخر لهذا التشابك، تحديداً مع القضية الفلسطينية وسؤال الهوية السياسية، والأيديولوجيا الخلفية للحكم الأردني ولتأسيس الدولة التي تقوم على مفاهيم قومية وإسلامية؛ ذلك كلّه يجعل الأردن ليس فقط في قلب العاصفة سياسياً، بل متداخلاً شعبياً وثقافياً ومجتمعياً معها.
مناسبة هذه المقدّمة التساؤل الرئيس الذي طُرح، أردنياً، في محاولة لتأطير الحادثة المقلقة أخيراً في مدينة الرمثا شمالي البلاد، من مواجهة مع شقيقين (جهاديان يرتبطان بأيديولوجيا "داعش") وقوات الأمن، ما أدى إلى مقتلهما وإصابة أربعة من الأمن، نظراً إلى حساسية المكان الذي جرت فيه المواجهة، وهو سوق شعبي؛ وتمثّل السؤال فيما إذا كانت هذه العملية مرتبطةً بالسياقات المحلية أو الإقليمية أو حتى الدولية.
في الواقع، هي مرتبطة بهذا التشابك الشديد، أردنياً، بين هذه الأبعاد؛ فوالد الجهاديين هو، كما كشفت تسريبات أمنية، من خلية إربد، التي دخلت في مواجهاتٍ مع الأمن في عام 2016، واستشهد فيها ضابط أمن وأصيب آخرون وقُتل أعضاء في الخلية، فيما أعدم البقية، ومنهم والد الشقيقين، اللذين كان أحدهما مشاركاً في تلك الخلية على الصعيد اللوجستي - الإلكتروني، وقد حكم عليه بالسجن 18 عاماً، وفرّ من دار الأحداث وأُلقي القبض عليه لاحقاً، وهكذا...
نحن، إذن، أمام قصة عائلة، وليست هي العائلة الوحيدة، فقد توصّلت دراسة أنجزها كاتب هذه السطور عن التيار الداعشي في الأردن إلى ما أطلق عليه "تحوّل الأنماط" من الفردية إلى العائلية وتغير السمات الاجتماعية، بحيث أصبحت مشاركة طلاب الجامعات والمتعلمين والطبقة الوسطى والعاملين النسبة العظمى في هذه الشريحة المتأثرة بخطاب "داعش"، فضلاً عن رصد ما سمّيت ظاهرة الأشقاء الجهاديين والشقيقات الجهاديات والعائلات الجهادية، والأحداث الجهاديين، وكلها ظواهر جديدة ارتبطت بصعود تيار "داعش".
في المقابل، هل يمكن أن نستبعد العامل الخارجي، فضلاً عن أنّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) نفسه عابر للحدود، وقد عاد إلى النشاط في البادية السورية ومناطق أخرى، فإنّ الحرب على غزّة وما ألقته من ظلال واسعة على المجتمع الأردني وتفاعله معها، بخاصة جيل الشباب، لن تمر مرور الكرام، من دون أن تُنشئ موجة جديدة من ردود الفعل التي قد تأخذ، في بعض الأحيان، صيغة العمليات ومحاولات الثأر من السياسات الإسرائيلية العدوانية وحرب الإبادة هنالك.
صحيح أنّ هذه العملية قد تبدو بعيدة عن سياق غزّة، بخاصة أن أولويات المتأثرين بـ"داعش" في الأردن لا تزال مختلفة، لكن من الضروري أن نتذكر أنّ "داعش" استثمر كثيراً في الأزمات وحالة الإحباط وفقدان الأمل والشعور بانسداد الأفق التي يعيشها جيل واسع من الشباب العربي، واستخدم الرموز الدينية ونقد الواقع لتجنيدهم. ومن ناحية أخرى، ليست هذه العملية (ذات طبيعة مختلفة، لأنّها مرتبطة بالأمن الأردني) الأولى منذ حرب غزّة؛ فقد سبقها من تسللوا إلى الحدود وحاولوا القيام بعمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، إما بصورة فردية وإما كانوا أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، التي حُظرَت قانونياً في الأردن. وبالتالي، ما كان خلال ما يقارب ثلاثة عقود (تأسيس تيار السلفية الجهادية في الأردن على يد أبي محمد المقدسي وأبي مصعب الزرقاوي في منتصف التسعينيات) بمثابة حكر على هذا التيار، أصبحت محاولة القيام بعمليات عسكرية والانتقام من إسرائيل أكثر انتشاراً وشيوعاً على الصعيد الشعبي والمجتمعي.
ما قد يصبّ زيتاً على النار المشتعلة أصلاً، الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالمضي بإجراءات اعتبار جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان جماعة إرهابية، ما سيكون له تداعيات محلية وإقليمية عديدة، وسيعزّز حالة التوتر في المنطقة، بخاصة إذا ما بقيت عملية السلام مكانك سرْ، وهو المتوقع، وإذا ما تدهورت الأمور إقليمياً أو حتى في الضفة الغربية.